Close Menu
أرشيف الأخبار
    فيسبوك X (Twitter) الانستغرام
    فيسبوك X (Twitter) الانستغرام
    أرشيف الأخبار
    الاتصال بنا
    أرشيف الأخبار
    الرئيسية » طائرُ الرخّ يغادر عشَّه إلى الأبد

    طائرُ الرخّ يغادر عشَّه إلى الأبد

    بواسطة دابا ماروك23 مايو، 20156 دقائق
    فيسبوك تويتر بينتيريست لينكدإن Tumblr البريد الإلكتروني
    شاركها
    فيسبوك تويتر لينكدإن بينتيريست البريد الإلكتروني

    أجملُ النظرات هي التي تحلّق بقلبك في خيلاءْ و تُخاتل عقلك في شجنْ ….نظراتٍ لا نفهمها و لا ننْفذ إليها إلا بعد فوات الأوان !!

    و أروع الانتظارات هي تلك التي تترقب فيها كائنا لا تعرفه !! “في المرة القادمة … في المرة القادمة سأبقى مدة أطول …” هذا ما قلته لنفسي و أنا أجمع أدباشي كي أغادر بيتنا و أرحل لأستقلّ الطائرة إلى العاصمة ، كانت حركاتي متردِّدة ، ثقيلة …لقد أمضيت أسبوعا كاملا بجانب أبي و أمي تلك التي غمرتها السعادة رغم تثاقل خطاها التي ظلت ترسم في الرواق مع كل حركة أصواتا من السعادة باهتة كالسنين ، صارخة كرائحة أديم الأرض بعد نزول المطرْ ! بقيت بضع دقائق فقط و قريبتي تنتظرني بسيارتها في الخارج حين حملت حقيبتي و هممت بالخروج بعد أن ودَّعتُ أبي و أمي و عندما شرعت في تجاوز عتبة الباب شعرت بنظرات تشدني إلى المكان …نظرات تلسع ظهري ، توقفت والتفتُّ إلى الوراء ، كان أبي لا يزال يودّعني و يُشيّعُني بنظراتٍ صاخبة هادئة ..نظراتٍ عميقة صافية بعينيْ طائر خرافي ، كان قدرسم صورته في مخيلتي بكلماتٍ احتضنت طفولتي البعيدة ….و حكاياتٍ راقصتْ نومي على فراشي الصغير في ليالي الشتاء الطويلة …. وحين انتبه إلى توقفي أشاح بوجهه عني هاربا بنظراته إلى الخواء ….هي المرة الأولى التي أعجز فيها عن فهم أبي …لطالما فهمته و احتضنت أفكاره حتى بعد أن هرب بخيلائه إلى الصمت و أقعد الكرسي المتحرك تحليقه الشامخ المنتفض أبدا ذلك العرش الذي لا يجلس عليه سوى ملوك أسقطهم جنون الحب وهوَس الذكريات و سُخْف الزمنْ !! كان سرِّي الدفين منذ الطفولة فصورته دائما تغطي الغيم في سمائي ، صورة الرخ العظيم بعينين ثاقبتين و أنف متعال و جناحين ترسمان زرقة السماء و تنحتان جمال الأرض …! في المرة القادمة سأسألهدون تردد لأفهم كل شيء …لن أترك الحيرة تعبث بي …. …صورة الرخّ كانتسرِّي الصغير الذي واريتُه في قلبي كحلمٍ دافئ و لكنه حين تمطّى في أعماقي كذكرى حارقة بحتُ به لأختي الكبرى التي ضحكت عليّ يومها و أمسكت وجنتيّ الورديتين براحتها ثم عانقت أحلامي الصغيرة بعينين لامعتين …مازال نظره معلَّقا بي كحلم طفل ليلة العيد …فعدتُ إليه ، عانقتُه ، ألهب هو عنقي بأدعية صامتة و ربت على كتفي بيد مرتعشة حنية …. هرعتُ إلى الباب بعد ذلك أخفي انهياري و حملت حقيبتي ورحلت ، لم أشأْ أن ألتفت إليه مرة أخرى حتى لا يرى ضعفي الذي طالما علمني أن أمزقه لأبدو عارمة كالشجر عاتية كرياح الخريف …! على طوال الطريق في السيارة و حتى في الطائرة ظلت تلك النظرة الغامضة تبعثرني بل تجعل العجز يُشلّ عقلي الأخرس…وجهه الأبيض و هو يرنو إليّ ما زال ماثلا أمامي مرسوما بل معلَّقا على بلّور النافذة …حلاقته لم تعجبني هذه المرة لطالما كان يحلق ذقنه دون الحاجة إلى مرآة ..كان يفعل ذلك بكل رشاقة ..أظنه تعوَّد على ذلك من أيام مشاركته في حرب تحرير مدينة بنزرت …هذه المرة لم تعجبني حلاقته …و لذلك حملت معي آلة حلاقته الثانية..سأشتري له شفرات حلاقة أنجليزية حديثة …حتى يظلّ ذقنه أملس ورديًّا كما عهدته دوما ، حين عدتُ إليه هذه المرة جلبتُ له معي غطاء قطنيا خفيفا يَقِيه من البرد و علبة شكلاطه خالية من السكر يحبها كثيرا هي شبيهة بتلك التي كان يشتريها لي و أنا طفلة صغيرة …لكن الشفرات لم أفكر فيها …هذه المرة لم تعجبني لا حلاقته و لا نظراته …..ما الذي كان يريد أن يقوله لي ….؟ أحسست أنه كان يصرخ في صمت صاخب …تُرى ما الكلمات التي كانت تصطخب وراء ستار تلك النظرة اللزجة ؟؟! أغمضت عيني و قد كنت متأكدة أنه في المرة القادمة سيكون أجمل …!! تذكرتُ ما كان يفعله من أجلي مذْ كنت طفلة : غناؤه الصباحي بلغة فرنسية مضحكة يهدهدني لأنهض في الصباح للذهاب إلى المدرسة …يداه القويتان تغرسان شجرة الزيتون في حديقة بيتنا الخلفية …اعتداده بطوله الفارع وهو يمدّ جناحيه ليقطف لي حبة تين من الشجرة العتيقة التي تحمي ظهر بيتنا ……ابتسامته البيضاء صباح الأحد حين تراقص أصابعه فنجان القهوة مع أمي يحتسيانها في خشوع عند ظل شجرة المشمش العتيقة الوارفة …مذاق الحَبّ الذي يضعه في جيب سترته كلما عاد من عمله مساءً ….صوته يرتل القرآن مصليا في دعة وهو منغمس في ظلمة الفجر ….كنت أفهم نظراته الصافية دون أن ينطق كلمة واحدة ….المرة الوحيدة التي كان يبتلعه فيها الصمت هو حين كان يوصلني في هدوء إلى مقر عملي بسيارته التي تخترق بساتين الرمان و النخيل على طول الوادي الأفعواني ، بعد إحالته على المعاش و الذي صادف تخرّجي من الجامعة …..لقد أصبح عاجزا عن التحليق كنت أشعر بفخره بي و هو يراني آخر بناته أكبُر…و أُحس بحزنه النائم و هو يرى بيته يخلو من بناته و أولاده سنة بعد أخرى…كلما حاصره الفراغ ازداد انزواء وتيبست أجنحته العاتية …في السنوات الأخيرة أصبح أكثر صمتا و حكمةً و لكني كنت أفهمه حتى حين وقفت أمامه ذات صباح ولم ينتبه إليّ و اكتشفت يومها ضعف بصره وتداخل الصور أمامه …فأخذتهمع أختي الكبرى إلى الطبيب ليجتث ماء مزمنا كان نائما في عينيه ، حتى في تلك اللحظة كنت أفهمه و أعرف أن أبي أعتى من كل الأوجاع !! في المرة القادمة سآخذه للطبيب ليفحصه بشكل دقيق ….وسأبقى إلى جانبه مدة أطول…. و سيجيبني عن كل أسئلتي…. و سيكون أجمل بلحية ملساء و نظرة قريرة …و سأعانقه و أقول له : أحبك يا أحمل طائرٍ يجلس على عرشْ !! تحسستُ جيب حقيبتي الخارجي باحثة عن آلة الحلاقة …وجدتُها …سعدتُ بها…متأكدة المرة القادمة سيكون أجمل ..!! هذه المرة أحسستُني عاجزة عن فهمه …رحلتُ…..تركت تونس كلها و لكن طفولة قلبي تركتها نائمة تحت جناحيه كالملائكة ..أما عنفوان عقلي فقد خبا و ازداد عجزه حتى حين راجعتُ في مخيلتي طلباته الغريبة في الأيام الأخيرة قبل أن أرحل و ذلك حين طلب مني أن آخذه إلى بيت جدي المهجور وسط المدينة أو حتى عندما رجاني أن أدفع كرسيه نحو الباب الخارجي ليتأمل الشارع و كأنه ينتظر شخصامّا …أخذتني الحيرة و عجز عقلي عن الفهم : في المرة القادمة …..سأسأله : لمَ كان ينظر إليّ هكذا …؟ ومن كان ينتظر ؟؟ بعد أسبوع من رحيلي عن تونس …سأدرك أن كل تلك الإجابات كانت غافية في ثنايا قلبي و لكنّ القدر شاء أن يحوّلني بكل البساطة منعاشقة حالمة إلى سخريةٍ مريرة !……بعد أسبوع ستأتيني الإجابة من صوت أختي الكبرى عبر الهاتف تخنق شكّي …كانت كلماتها تحزّ قلبي و تتركه يتيما بلا أجنحة … في ذلك الفجر الشتوي البارد عرفت لمَ كان أبي ينظر إليّ بتلك الطريقة و عرفت أيضا من كان ينتظر ..عرفت كل ذلك من عبارة أختي المترددة المختنقة..فهمتُ ذلك حين قالت ليبصوت منتفضٍ : – أختي الصغيرة …طائر الرخّ غادر عشّه إلى الأبد !! توقف كل شيء في لحظة …لم يبقَ سوى نشيج أختي يهزّ الهاتف في شجن ….انتفض قلبي كعصفور ذبيحْ و عقلي يشدّني و يصرخ في الخواء الذي أشلّني …يصرخ و يصيح ويبكي قائلا : ” في المرّة القادمة …في المرّة القادمة لن يكون هناك مرّة قادمة ! ”

    المصدر: خيرالدين جمعة نشر في طنجة الأدبية

    شارك هذا الموضوع:

    • شارك على فيس بوك (فتح في نافذة جديدة) فيس بوك
    • المشاركة على X (فتح في نافذة جديدة) X
    • المشاركة على WhatsApp (فتح في نافذة جديدة) WhatsApp
    • اطبع (فتح في نافذة جديدة) طباعة
    • المشاركة على LinkedIn (فتح في نافذة جديدة) LinkedIn
    • إرسال رابط بالبريد الإلكتروني إلى صديق (فتح في نافذة جديدة) البريد الإلكتروني

    مقالات ذات صلة

    أخبار
    شاركها. فيسبوك تويتر بينتيريست لينكدإن Tumblr البريد الإلكتروني
    دابا ماروك
    • موقع الويب

    المقالات ذات الصلة

    قانون المالية 2026.. الحكومة تقبل 72 تعديلا بمجلس المستشارين

    4 ديسمبر، 2025

    هذا موعد الافتتاح الرسمي لحديقة عين السبع بالدار البيضاء

    4 ديسمبر، 2025

    خط جوي جديد ومباشر يربط الدار البيضاء بلوس أنجلوس

    4 ديسمبر، 2025
    اترك تعليقاً إلغاء الرد

    ريشة عينوش: في الجزائر.. البيضة تساوي أكثر من وزنها ذهبًا!

    28 سبتمبر، 2026

    توقيف شابتين ورفيقهما في طنجة للاشتباه في قيادتهم لعصابة «الدعارة الرقمية»

    28 سبتمبر، 2026

    شبهات استغلال القاصرين في دار الخير «الوفاء».. تأجيل أولى جلسات محاكمة 18 متهماً إلى 26 أكتوبر المقبل في فاس

    28 سبتمبر، 2026

    آخر مستجدات الوضعية الوبائية لداء الدفتيريا في سوس، وما يجب أن تعرفه!

    28 سبتمبر، 2026

    مراكش تستضيف النسخة الثامنة من المعرض الدولي للطيران بكثير من الحماس

    28 سبتمبر، 2026

    غيثة العلاكي تبوح بتفاصيل جديدة بعد حبس زوجها سعد لمجرد

    28 سبتمبر، 2026

    القبض على شرطي وشقيقته في الرباط بتهمة حيازة وترويج المخدرات

    28 سبتمبر، 2026

    بكتيريا “الدفتيريا” تودي بحياة شباب مغاربة وتنبه السلطات في أكادير

    28 سبتمبر، 2026

    فرنسا: رشيدة ذاتي تواجه خطر السجن لمدة 4 سنوات

    28 سبتمبر، 2026

    مراحل تعيين رئيس الحكومة في المغرب: ضرورة التوضيح بعد كثرة الإشاعات والتكهنات

    28 سبتمبر، 2026

    لجنة مركزية من الداخلية تصل طنجة للتحقيق في فضيحة «حقيبة الأوراق الانتخابية»

    28 سبتمبر، 2026

    الخريطة السياسية لجبهة الشرق: «البام» في الصدارة و«الاستقلال» يحافظ على مكانته و«البيجيدي» يعود بقوة في وجدة

    28 سبتمبر، 2026

    عاجل: توقيف عمدة الليموري بطنجة فور عودته من مالقة

    28 سبتمبر، 2026

    حرائق شفشاون: طائرات “كنادير” تتدخل بـ100 طلعة جوية لإخماد نيران غابة باب تازة

    28 سبتمبر، 2026

    الإطاحة بشخص في سيدي بوزيد أثناء حيازته لـ37 صفيحة من الشيرا ومبلغ مالي كبير

    28 سبتمبر، 2026

    مهرجان السينما بتطوان يسلط الضوء على الإبداع المغربي بتكريم المخرج هشام العسري

    28 سبتمبر، 2026

    أين تستثمر في إفريقيا سنة 2026: أبرز عشر دول تقدم توازن مثالي بين المخاطر والأرباح

    28 سبتمبر، 2026

    توقعات أحوال الطقس اليوم الإثنين في المغرب

    28 سبتمبر، 2026

    درك سيدي سليمان ينجح في إحباط عملية تهريب مخدرات نحو العاصمة الرباط

    28 سبتمبر، 2026

    توقيف شخص ذو سوابق جنائية يُشتبه في تورطه في سرقة عنيفة بالمغرب

    27 سبتمبر، 2026
    فيسبوك X (Twitter) الانستغرام بينتيريست
    © 2026 داباماروك .

    اكتب كلمة البحث ثم اضغط على زر Enter