وأخيرا، تم الحسم في موعد الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، وصادقت الحكومة داخل المجلس الحكومي على أربعة مشاريع مراسيم تقدم بها وزير الداخلية، وتتعلق ب:
تحديد تاريخ الاقتراع لانتخاب أعضاء مجالس الجهات؛ تحديد تاريخ الاقتراع لانتخاب أعضاء مجالس الجماعات والمقاطعات؛ تحديد تاريخ الاقتراع لانتخاب أعضاء مجالس العمالات والأقاليم؛ تحديد تاريخ الاقتراع لانتخاب أعضاء مجلس المستشارين. هذه المصادقة- والتي جاءت بعد فترة طويلة من الجدل بين الحكومة والمعارضة حول قضية الإسراع بإخراج القوانين التنظيمية المتعلقة بالاستحقاقات الانتخابية المقبلة وتحديد تواريخ الاقتراع الأربعة في هذا الظرف بالذات، حيث لا تفصلنا عن شهر شتنبر القادم إلا بضعة شهور- تطرح مجموعة من التساؤلات حول مدى إمكانية التزام الحكومة بهذه التواريخ، وهل الفترة التي تفصلنا عن موعد تلك الاقتراعات ستكون كافية لتلبية كل المتطلبات والحاجيات التنظيمية واللوجستية والإدارية والقانونية والبشرية والمادية من جهة، ولتوفير كل الضمانات السياسية والدستورية لإنجاز هذه العملية في ظروف جيدة من جهة أخرى؟ ثم كيف سيتفاعل المواطن المغربي مع هذا الموعد الانتخابي، مع العلم أن الفترة الخاصة بالتسجيل باللوائح الانتخابية أثارت بدورها نقاشا سياسيا بين الأحزاب حول إمكانية تحقيق تطابق بين نتائج التسجيل في اللوائح ونتائج المشاركة الفعلية في الانتخابات، بعد أن كشفت التجارب السابقة المستوى المتدني لعملية المشاركة فيها وخلقت جدلا بين القوى السياسية حول الأسباب والمسببات. وحتى لا نوصف بالمتشائمين أو من دعاة الإحباط والتيئيس، فنحن نؤكد أننا مع كل خطوة سليمة تتجه نحو تفعيل مقتضيات الدستور وتنزيلها بشكل ديمقراطي سليم، لكن التساؤل الذي يظل يطرح نفسه بقوة أمام الواقع الذي نعيشه من خلال الاحتكاك بالمواطنين وخاصة الشباب، هو إلى أي حد ستتمكن الحكومة من تحقيق ما وعدت به بخصوص ضمان نتائج مشجعة للانتخابات المقبلة، في ظل: عدم وفاء الحكومة بما وعدت به المغاربة، وبالنظر إلى أن ما “أنجزته” لم يرق إلى الإنجازات الوطنية التي من شأنها الدفع بالمواطنين للثقة في العملية الانتخابية. استمرار وجود العديد من الاختلالات والممارسات المنفرة من العملية الانتخابية، والتي يجسدها بالأساس الخطاب السياسي الرديء لبعض الأحزاب الحكومية التي لم تعد تكتفي بتأطير المواطنين، بل أصبحت آلية انتخابية مع ما تعيشه من مشاكل داخلية تنخرها. اللامبالاة التي يواجه بها المغاربة العملية السياسية نفسها وليس العملية الانتخابية، واستمرار سوء الفهم الكبير الموجود بين الناخبين والعملية الانتخابية. اتساع الهوة بين الطبقة السياسية والمواطنين، بسبب فشل الحكومة في توفير الشروط الكفيلة بمصالحة الناخبين مع العملية الانتخابية، حيث أصبح التعاطي مع السياسة يتم من خلال موقف العزوف أو المقاطعة فقط. عجز خطاب محاربة “الفساد والاستبداد”، الذي روجت له الحكومة منذ البداية وخاصة الحزب الأغلبي، عن تغيير الواقع الانتخابي الحالي، حيث ما زال كما هو، حيث إن العزوف يتمركز بشكل أكبر داخل الفئات المتعلمة وغالبا ما يكون له بعد سياسي، ويرتبط ليس فقط بالعملية السياسية، بل بالانتخابات أيضا، وهو ما شهدت به الاستحقاقات الانتخابية السابقة. استمرار شكوى المواطنين من الطابع غير الواقعي لبرامج بعض الأحزاب السياسية وتدني الخطاب السياسي بينها إلى حد تبادل الشتائم والتهم. أمام هذه المؤشرات والأسباب وغيرها كثير نتساءل هل هناك إرادة حقيقية لدى الحكومة لتوفير شروط سياسية ملائمة وظروف قانونية مشجعة للانتخابات الجماعية المقبلة، بعد أن تم تحديد خارطتها الزمنية، أم أن هذه الاستحقاقات قد لا تخرج عن السيناريوهات التي ظلت تشتعل كلما حل موسم انتخابي تشريعي أو جماعي؟ إن المفروض في اعتقادنا وفي اعتقاد كل المؤمنين بالعملية الديمقراطية في شموليتها، وكونها الآلية الوحيدة لتعزيز ثقافة المشاركة واستعادة الثقة لدى الناخب/ المواطن في العملية السياسية والانتخابية، كأداة لتحقيق تطلعاته وانتظاراته وتلبية مطالبه المشروعة هو: أن تكون الانتخابات الجماعية المقبلة ديمقراطية تنافسية إذا ما احترمت المعايير المتعارف عليها في إجراء العمليات الانتخابية؛ أن تلتزم الإدارة بالحياد الإيجابي أولا وتحرص على تطبيق القانون في حال حصول أي خرق؛ أن تضمن الشفافية الكاملة في الحصول على المعلومة بالنسبة لمختلف المرشحين رجالا ونساء؛ أن تلتزم الحكومة والأحزاب معا بالشفافية في التدبير المالي المرتبط بالحملة الانتخابية. وبالتالي، فإن غياب هذه المعايير سيمس بمصداقية ونزاهة العملية الانتخابية ويسقطها في منطق الهيمنة والتحكم الذي حذرت وما زالت تحذر منه المعارضة منذ شروع الحكومة في الإعداد لخوض الانتخابات الجماعية المقبلة.
المصدر: رسالة الأمة نشر في رسالة الأمة

