فاز الباجي القايد السبسي برئاسة
تونس
، وبذلك يعتبر أول رئيس منتخب للجمهورية الثانية، وامتداد لروح الجمهورية الأولى، التي أسسها الحبيب بورقيبة، وهو أول انتصار للديمقراطية بعد انتفاضة 14 يناير حتى لا نقول الثورة، لأن لهذه الأخيرة مقوماتها، التي لم تتوفر فيما حدث
بتونس
. فالرابح الأول بما جرى
بتونس
هو الشعب
التونسي
، الذي كان يطمح إلى تغيير أدوات التداول على السلطة، وليس استبدال نظام استبدادي بآخر شبيه به مع اختلافات في العناوين والمسميات. ربح الشعب وربحت الديمقراطية قيمة الانتصار لعنصر الانتخاب ولا يهم الشخص في النهاية. لقد انطلقت شرارة الربيع العربي من
تونس
، ولم يكن إحراق محمد البوعزيزي لنفسه سوى سبب خارجي، ولو علم أنه سيكون رمزا لبقي حتى أصبح رئيسا للجمهورية، لكن تضافرت عوامل كثيرة لتحول الاحتجاج إلى انتفاضة كبيرة، التي أدت إلى تغيير في هرم السلطة حيث فر بنعلي إلى السعودية، غير أن الوثائق المسربة كشفت عن تداخلات كثيرة ومنها استخباراتية صنعت كل هذا الحدث. ما يهم الشعب مما حدث ليس أسبابه ومسبباته ولكن نتائجه. لقد كانت النتائج كارثية حيث سطا تنظيم الإخوان المسلمين تحت عناوين مختلفة على الحكم والحكومات، دون توفره على برنامج واضح ودون توفره على الموارد البشرية القادرة على تسيير الشأن العام، وجعل من الحكومة إقطاعيات حيث عين الغنوشي صهره وزيرا للخارجية، وغيرها من الممارسات. في المغرب وجد فرع الإخوان المسلمين العدالة والتنمية الفرصة مواتية للانقضاض على الحكومة، التي كان يرغب من خلالها إلى السطو على المؤسسات، ولم يمنعه من ذلك سوى وجود المؤسسة الملكية ووجود المؤسسات، ووجود الدولة العميقة الضامنة للاستمرار والاستقرار. وقد استغل الحزب الحراك الشبابي ليصل إلى الحكومة. يمكن الحديث تجاوزا عن استغلال الحراك، لأن وصول حزب العدالة والتنمية للحكومة، يمكن وصفه بالمخدوم على حد قول امحمد بوستة، الأمين العام الأسبق لحزب الاستقلال. فمع استبعاد التزوير في الانتخابات، التي أجمع الجميع على أنها كانت نزيهة، غير أن هناك عوامل تدخلت لفائدة مجموعة بنكيران، منها العزوف عن الانتخابات، ومنها أيضا وجود ناخبين زبناء لدى الحزب الإسلامي، ومنها محاولة الناخبين التجريب، إذ حكم اليمين واليسار وأرادوا من الإسلاميين أن يحكموا، وأهمها إخلاء الساحة في مواقع كثيرة للحزب الإسلامي لأن هناك من كان يريده. لكن وصول محمد مرسي إلى رئاسة الجمهورية المصرية عجل بفضح كيد الجماعات الإسلامية، وأنها تبيت على الغدر والانقضاض على المؤسسات، فخرج الشعب المصري في ثورة مليونية ضد الإخوان ولقي مساندة من الجيش فتم عزل مرسي وجماعته وإنهاء عهد الإعلان الدستوري الفرعوني. الغنوشي فهم الرسالة بسرعة وتراجع إلى الوراء. وانحنى للعاصفة وعرف أن الموجة قادمة وأوحت له
قطر
راعيته بأنها مقبلة على التخلي عن الإخوان المسلمين فستصبح الجماعات يتيمة. الشعب
التونسي
تربى على علمانية عربية مكشوفة مع الحبيب بورقيبة، ولهذا اختار السبسي الليبرالي العلماني ولم يختر المرزوقي اليساري الذي يسير تحت إبط حركة النهضة.
المصدر: النهار المغربية نشر في النهار المغربية

