قال الدكتور مصطفى بن حمزة، عضو المجلس العلمي الأعلى، وعضو المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، إن تدخلات المجلس العلمي الأعلى لا بد أن تكون مصطبغة بالطبيعة الوظيفية للمجلس العلمي، وهي تقف عند حدود القول بملاءمة أعمال البنوك مع مقتضيات الشريعة، يضيف بنحمزة في مقال له “وتبقى للمؤسسات البنكية حريتها في الاشتغال وفق طبيعتها مشمولة بمراقبة بنك المغرب الذي يتابع أنشطة كل البنوك”، وشدد بنحمزة على أنه إذا تساءل البعض عن داعي اللجوء إلى التعاملات التشاركية، “فإنه يجاب بأن الاقتناع بوجود أحكام شرعية ضابطة للتعاملات هو ما يجعل الإنسان المسلم حريصا على الانسجام معها”.
وناقش العلامة مصطفى بن حمزة رأي المجلس الاقتصادي، بعد الضجة التي أثيرت حوله بمناسبة انعقاد الدورة 41 للحمعية العامة للمجلس قصد المصادقة على الرأي، كما رد بقوة على المشككين في الجدوى من اعتماد الأبناك التشاركية وكذا المطالب بإبعاد أي دور للعلماء بعد إقرار القانون المؤطر. وبعدما قدم بنحمزة ملاحظاته مكتوبة إلى رئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، أفاد بأنه أبلغ من طرف مسؤولي المجلس، تضمين ملاحظاته حول رأي المجلس، بالصيغة الجديدة والنهائية لمشروع الرأي. وقال رئيس المجلس العلمي المحلي بوجدة، إنه منذ أن نقلت بعض وسائل الإعلام الوطنية ما وسعها نقله عن النقاش الذي دار حول رأي المجلس الاقتصادي حول الأبناك التشاركية، “منذ ذلك الحين والأقوال تتناسل، والمواقف تتشعب وتتباين بوتيرة يمكن أن تحيل القضية إلى موضوع سياسي يتجاوز حدود الصبغة التي كانت للنقاش، وكانت لشخص يمثل المؤسسة العلمية ذات الاهتمامات والاختصاصات الدينية المعروفة”، يضيف بنحمزة، “من أجل تفادي ذلك، فقد رأيت أنه من المفيد استباق هذه الانعطافة، وذلك التوظيف بتسليط الضوء على ظرف النقاش ومضمونه”. وفييما يلي الجزء الأول من رد العلامة مصطفى بن حمزة. منذ أن نقلت بعض وسائل الإعلام الوطنية ما وسعها نقله عن النقاش الذي دار خلال الجلسة العمومية الحادية والأربعين للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، برسم مناقشة التقرير الذي أنجزه المجلس عن مشروع القانون 12/103 المتعلق بمؤسسات الإئتمان والهيئات المعتبرة في حكمها، منذ ذلك الحين والأقوال تتناسل، والمواقف تتشعب وتتباين بوتيرة يمكن أن تحيل القضية إلى موضوع سياسي يتجاوز حدود الصبغة التي كانت للنقاش، وكانت لشخص يمثل المؤسسة العلمية ذات الاهتمامات والاختصاصات الدينية المعروفة. من أجل تفادي ذلك، فقد رأيت أن من المفيد استباق هذه الانعطافة، وذلك التوظيف بتسليط الضوء على ظرف النقاش ومضمونه. ومجمل ما حدث وبتركيز شديد، أني قدمت إلى المجلس الاقتصادي مذكرة ضمنتها ملاحظات تبدت لي من خلال قراءتي لنص التقرير، وكانت ملاحظات عديدة ليس بالوسع التعرض لها كلها. فقد لاحظت أن التقرير جاء في جانبه الذي تناول فيه أعمال مؤسسات الإئتمان عموما شاملا وعميقا ومتوازنا، ومرد ذلك إلى أن من صاغه كان ذا كفاءة وخبرة بالموضوع المعروض، وهو ما طبع أغلب تقارير المجلس الاقتصادي التي عهد بها إلى متخصصين يعرفون جيدا مجالات اشتغالهم. لكن التقرير جاء على العكس من ذلك، لما تناول موضوع البنوك التشاركية، إذ بدا عليه تقصير كبير وإعياء واضح، فاكتفى غالبا بإيراد جملة من التساؤلات والاستشكالات التي ليست هي ما يطلب ويراد من تقرير يصدر عن هيئة متخصصة، لتستعين به المؤسسة التشريعية التي لا يعنيها تلقي أسئلة، وإنما تتطلب مواقف واضحة. وقد كان من الميسور التوصل إلى بناء أفكار ومواقف واقعية، ما دامت البنوك التشاركية تمثل حاليا جزءا من المشهد الاقتصادي العالمي، إذ يتجاوز الموجود منها حاليا 520 مؤسسة قائمة، وينتظر أن يبلغ عددها 800 مؤسسة في أفق 2015. فلو أن الدراسات انصبت على أعمال البنوك القائمة فعلا، لأمكن تشخيص واقعها وتقديم ما في أعمالها من إيجابيات وسلبيات بكل موضوعية وحياد. وقد كانت التساؤلات في أكثرها غير مؤسسة ولا موحية بانبثاقها عن بحث عميق لواقع البنوك التشاركية، رغم ما سبق هذا من جلسات الاستماع. ومن تلك العوائق التي سماها التقرير إكراهات ما ورد في الفقرة 2 من الصفحة 16 (من وجود إكراهات تزداد حدة بالنظر إلى غياب الكفاءات في مجال المواكبة والاستشارات القانونية والمالية الخاصة بالتمويل التشاركي بالمغرب.. وهو ما يمكن أن يثبط عزم الفاعلين الاقتصاديين على القيام بهذا النوع من العمليات). وقد أوضحت أن هذا الاعتراض يتجاوز حدود الملاحظة إلى الإيحاء للفاعلين الاقتصاديين بخطورة الإقدام على هذا النوع من العمليات البنكية. أما عن الاعتراض بغياب الكفاءات، فإنه ليس وجيها، لأن الكفاءات المغربية لن تكون أقل من نظيراتها في جميع الدول التي توجد فيها بنوك تشاركية من دول المغرب العربي والخليج وآسيا وغيرها. وليست هذه هي المرة الأولى التي يواجه المغربي منتجات جديدة، ومخترعات تكنولوجية وإعلامية متطورة، فيتعامل معها بكل كفاءة واقتدار. وقد توقفت في قراءتي لنص التقرير عند ما جاء في الفقرة 3 من الصفحة 3 من أن مشروع القانون قد أعد بدون إجراء دراسة تتعلق بالتأثيرات التي يمكن أن يخلفها تطبيقه، ولم يتم تقييم احتمال تحول البنوك التقليدية إلى بنوك تشاركية. وقد عقبت على هذا بأن إنجاز دراسات عن الجدوى والآثار، هو من صميم العمل الاحترافي الجاد، لكني رأيت أن هذه الدراسة كما يجب أن تتناول الآثار الاقتصادية، فإن من الواجب أن تتناول المعطى الاجتماعي والبشري قبل غيره، وهو يتمثل في هذه الحالة في إحساس المواطن، بأن النظم المالية السائدة تراعي طموحاته، وتهتم بانشغالاته وتستجيب لتطلعاته، فيكون من أثر ذلك إحساس بالرضا، واستشعار لتوفر القدر الكافي من الحرية التي تطال الجانب الاقتصادي مثلما تطال غيره من الجوانب. أما بخصوص طرح احتمال أن تصير البنوك التقليدية بنوكا تشاركية، فهو احتمال مبالغ فيه، ولا سند له من واقع البنوك التشاركية التي هي موجودة فعلا، ولم تلغ وجود البنوك التقليدية، لأن هذه البنوك تظل هي الأكثر والأقوى، لما لها من امتداد في جهات العالم، وما لها من الخبرة ومن القوة الاقتصادية أيضا. وقد أبرزت أن الاحتمال إن كان مشروعا من حيث الأصل، فإنه يصير غير محتمل ولا مطاق حينما يصير نوعا من التعويق غير المبرر المتجه نحو المستقبل، لأنه يشل قوة الابتكار وإرادة الفعل. والأصل أن دائرة الاحتمال هي أوسع بكثير من دائرة الواقع، ولو كان للإنسان أن يستسلم للاحتمالات لتوقف الكثير من الأنشطة، فقد يحتمل من يريد ركوب الطائرة أنها قد تقع، ومن يركب السيارة أنها قد تصطدم، بحكم وقوع هذه الأحداث، لكن هذه التوقعات أو الاحتمالات لا يجوز تحكيمها دوما، واعتبارها هي الأصل، لأن ذلك ليس له مآل إلا التوقف وشل الإرادة. وقد كان بالإمكان بدل ما سبق توقع أن تكون البنوك التشاركية سببا لإحداث منافسة حقيقية، تؤدي إلى تجويد المنتجات وإلى تخفيض الكلفة وإلى التخفيف عن المواطن، وهذا اتجاه اختاره عالم الاقتصاد لما ألغى الحماية الجمركية، وضع كل المؤسسات الاقتصادية في مواجهة قانون السوق. وبدل طرح احتمال وقوع أشياء بعيدة التحقق، فقد كان من الأولى والمفيد طرح سؤال آخر هو أكثر وجاهة وأهمية عن سبب إفلات البنوك التشاركية من الأزمات التي عرفتها البنوك التقليدية بسبب ما عرف بالرهن العقاري الذي أعقب في الولايات المتحدة فترة ازدهار اقتصادي امتدت من سنة 2001 إلى سنة 2006 فتوسعت الشركات الائتمانية في منح القروض وفي رفع نسب الفوائد، وحين بدأت بوادر الأزمة سنة 2007 تعذر على المقترضين إرجاع الديون، فاستولت البنوك على المنازل، وبلغ عدد من تعرضوا للإفلاس في الولايات المتحدة أكثر من مليونين من الأشخاص، وتم تسريح العديد من الموظفين، ووجد ثلاثة ملايين من المواطنين أنفسهم في مواجهة خطر التشريد، وما وقع في الولايات المتحدة انتقل إلى أوروبا، وعاش الناس في اليونان أسوأ أوضاعهم الاقتصادية، وطولب الكثير من المقترضين في إسبانيا بالتنازل عن المنازل التي اشتروها بالقروض لتباع بأثمنة زهيدة إن وجد من يشتريها من أجل الوفاء بالفوائد قبل ألأصول. من الملاحظات التي سجلتها على التقرير ما جاء في الفقرة 1 من الصفحة 19 من أن البنوك التشاركية ينبغي أن تعيد تمويل نفسها فقط عن طريق المنتجات التشاركية التي لا زالت غير متوفرة بعد في السوق المالية ببلادنا.. إنه يتعين على البنوك التشاركية أن تستعين بالتأمينات التشاركية. وقد لاحظت أن هذا التحفظ يتعلق بما يجوز وما لا يجوز من تصرفات البنوك التشاركية، وهو خروج عن الاختصاص، لأن هذا من اختصاص المجلس العلمي الأعلى لا غير، وهو أيضا مصادرة على المطلوب، لأن ما يطلب حصوله في النهاية هو ما جعل شرطا للتحقق قبل أن يتم الشروع في الفعل، وهذا ضرب من التعجيز واضح. والجواب عن هذا أن من يقدم على إنشاء بنك تشاركي يكون هو الأحرص على أن تكون الأموال التي يوظفها أموالا غير محصلة عن طريق الفوائد، ولولا هذا الحرص لما سعى إلى الإسهام في هذه البنوك التشاركية. ومع ذلك فإني أقول: إن للعلماء أساليب في هذا التعامل مع هذا الاستشكال الذي تؤطره قواعد عامة من مثل أن الميسور لا يسقط بالمعسور، وأن الأمر إذا ضاق اتسع، وأن الوسائل تعطى حكم الغايات، وكل هذه قواعد صالحة لمعالجة مرحلية في انتظار تحقق الأمثل من المآلات والغايات. وقد عقبت أيضا على استشكال التقرير حول طريقة تدخل المجلس العلمي كما تحدثت عنه الفقرة 3 من الصفحة 20 من التقرير وقد ورد فيها: (هناك غموض فيما يخص مضمون آراء المطابقة، فمشروع القانون يوحي بأن موضوع الرأي بالمطابقة من طرف المجلس العلمي الأعلى هي الأنشطة والمنتجات التشاركية، وليست المؤسسات ذاتها التي تنجز هذه الأنشطة) وقد أبرزت أن هذا الاستشكال كان بالإمكان تجاوزه لو تمت متابعة طرق عمل البنوك التشاركية القائمة فعلا، لأن هذا المنتج ليس مشروعا للمستقبل، وإنما هو واقع ماثل. والجواب أيضا أن تدخلات المجلس العلمي الأعلى لا بد أن تكون مصطبغة بالطبيعة الوظيفية للمجلس العلمي، وهي تقف عند حدود القول بملاءمة أعمال البنوك مع مقتضيات الشريعة، وتبقى للمؤسسات البنكية حريتها في الاشتغال وفق طبيعتها مشمولة بمراقبة بنك المغرب الذي يتابع أنشطة كل البنوك. وما يؤكد أن مراقبة المجلس تنصب على الأعمال الائتمانية شرعا دون بنية المؤسسات البنكية هو أن الأحكام الشرعية تتعلق بالأفعال لا بالذوات، والعبرة دوما بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني، وعليه فإن أي عملية تجريها البنوك وفق ضوابط الشرع لا يمكن إلا أن تكون ممهورة بمطابقتها للشرع. وإذا كانت بعض المداخلات قد عبرت عن اعتقادها بأن العمليات المالية ليس فيها ما هو شرعي وما هو غير شرعي، فإن هذا تطرف وإبعاد في الغلو. ذلك بأن جميع العمليات التمويلية في أي اقتصاد، منها ما هو جائز من الناحية القانونية، ومنها ما لا يجوز، وغير الجائز هو ما خالف النظم المالية المعمول بها. ومثل ذلك أن يقال: إن التعاملات المالية حين تقارب من زاوية الموافقة لحكم الشرع، فإن منها ما يجوز ومنها ما لا يجوز، وهذا يعم تعاملات الأفراد في الأسواق، ويشمل تعاملات المؤسسات أيضا، ولائحة التعاملات غير الجائزة مؤسسة بنصوص ثابتة، وهي تؤول إلى معنى حماية العمليات التجارية من أن تصير سبيلا إلى الإثراء غير المشروع، أو إلى استغلال حاجات الناس، ومنها جميع التعاملات المتضمنة للغرر والجهالة في الثمن، أو في المبيع إلا ما استثني لحاجة الناس إليه كبيع السلم، ومنها بيوع قديمة: كبيع الحصاة، والمنابذة، وبيع المرء ما ليس يملكه، وبيع الحاضر للبادي، وتلقي الركبان، وبيع الثمار قبل بدو صلاحها، وبيع الطعام قبل قبضه، وبيوع الاحتكار، وبيع المضامين، وحبل الحبلة، وبيع النجش، وكل بيع فيه غرر مقدور على تفاديه، ويمكن ملاحظة أن أثر هذه البيوع أصبح مشمولا بقوانين المنافسة وتكافؤ الفرص وحماية المستهلك، وإن بعناوين أخرى. وإذا تساءل البعض عن داعي اللجوء إلى التعاملات التشاركية، فإنه يجاب بأن الاقتناع بوجود أحكام شرعية ضابطة للتعاملات هو ما يجعل الإنسان المسلم حريصا على الانسجام معها، لأن أحكام الشريعة تسري في الاكتساب والامتلاك مثلما تسري في العبادات، بل إن أبواب البيوع وما شاكلها هي أوسع حجما من أبواب العبادات في المصادر الفقهية. ذكر الزيات في كتاب التشوف عن الشيخ علي بوغالب أنه ورث عن أبيه اثني عشر ألف درهم فتصدق بها، فقال إن أبي كان لا يحسن الفقه، فلما علم بذلك شيخه ابن العريف قال: كان يكفي أن يطهر المال بالتصدق بالثلث ( التشوف للزيات تحقيق أحمد توفيق ط. 2 ص 22)، وهذه قصة تفصح عن عقلية لا تتعامل مع الأموال التي فيها شائبة مخالفة للشريعة. هذه بعض ملاحظات تكشفت لي وقدمت معظمها ضمن مذكرة إلى المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، لتكون هي نفسها أيضا موضوعا لنقاش علمي ولحوار موضوعي، وقد أبلغني المجلس أنه اعتمد هذه الملاحظات، وضمنها الصيغة الجديدة للتقرير. وبهذا تكون هذه الملاحظات ضميمة ساعدت على إبراز التقرير بالنحو الذي يليق به باعتباره صادرا عن مؤسسة تتحلى بالموضوعية والإنصاف.
المصدر: ياسر المختوم نشر في التجديد

