« الرقم الذي تطلبونه مشغول حاليا…المرجو إعادة الاتصال لاحقا »
جملة لطالما طاردتنا ونحن ندق أبواب الأمين العام لحزب الاستقلال، حتى يتسنى مناقشته وأخذ رأيه بشأن موضوع شريط “الفيديو” الذي ظهر فيه وهو يتسلم شهادة تحمل العلمين المغربي و”الإسرائيلي” جنبا إلى جنب، ومن رجل كان يشغل منصب مسؤول في جهاز “الموساد”، كنا نحمل في جعبتنا سؤالين، ما دام أن الأمر ليس محط “تهريج”، كما كان الرجل الأول في حزب علال الفاسي يريد لذلك، وتحاول قواعد الحزب جر الرأي العام إليه، ويهم السؤال الأول بحثا عن تأكيد ادعاءات ألسنة في قيادة الحزب، اعتبرت الفيديو مفبركا، والثاني:”لماذا لا ترفعون دعوى قضائية ضد موقع “الرأي” بتهمة فبركة الشريط، وهو ما مس، حسب بلاغ اللجنة التنفيذية ومقالات جريدة العلم ب”سمعة” حزب الاستقلال؟ و”رمتني بدائها وانسلَّت” هو مثل جاء على شاكلة حميد شباط وهو يحفر حفرة على مقاسه ثم يقرر الارتماء فيها، وهو يتهم رئيس الحكومة بالعلاقة مع “داعش” والنصرة والعمالة للموساد “الإسرائيلي”، غير أن من يريد ممارسة نوع جديد من السياسة، سيعجز دارسي ومدرسي العلوم السياسية، سرعان ما سيقع من على كرسي البحث عن الشهرة إلى موقع الباحث عن أي مبررات مهما كانت مضحكة، لدرء تهمة ثقيلة، تتمثل في العمالة ل”الموساد”، أو على الأقل موقع متقدم من تطبيع مخزي مع كيان غاصب. ويبدو أن صفعة السقوط من قيم مؤسسي حزب عريق إلى “مبادئ” الوافيدين من الهوامش، سيجعل القيادة بأكملها تتخبط، وهي تروي عطش اللاهثين وراء توجيه الضربات للخصوم السياسيين تحت الحزام، حتى ولو كان الأمر بروايات مراهقة سياسية في أعمق جنونها، وهو ما حول الشريط الفيديو إلى معركة المرحلة التي قضت مضاجع الاستقلاليين وقطعت عطلهم الصيفية. لكن واقعة كبرى كهاته، وفي هذه الظرفية تطرح أكثر من علامات استفهام، حول مضمون شريط الفيديو، أو أحرى مضامينه، وطريقة التعامل كما أبدتها مختلف الجهات والهيئات المعنية. ومقارنة بسيطة، ستفيد أن الإعلام المغربي يكيل بمكيالين، وهو يبحث تفاصيل تسلل “إسرائيلي” إلى مؤتمر حزب العدالة والتنمية (وهو أمر معيب على حزب بنكيران مهما كانت الأسباب)، ويقوم بتقديم الروايات والروايات المضادة ويشكل من الخبر مادته الدسمة بشكل يومي، إلى أن مر على المؤتمر الأخير للحزب الإسلامي شهورا، قبل أن يتوارى الخبر عن الصفحات الأولى للجرائد والمواطن الرئيسية للمواقع الإلكترونية، في حين غاب خبر فيديو شباط عن الإعلام الورقي بشكل واسع، وغيِّب عن المواقع الإلكترونية، بالرغم من أن الجدل وحده، الذي أثاره الشريط، يستحق نقله إلى وسائل الإعلام حتى وإن تماشت خطوط التحرير مع الرواية الغريبة لشباط. وصمتَ مواجهو التطبيع من اليسار والقوميين في مواقف تمتح من قاموس المداهنة، تقليصا لدائرة الأعداء، فالقضية الفلسطينية يمكن التغاضي عن بعض الجرائم التي ترتكب في حقها في لحظات قد تُقطع فيها أواصر القرابة والمصالح. دعونا خلف هذا الصمت نربط الأشياء ببعضها: حين يصرح رئيس الموساد الإسرائيلي بتوفر الكيان الصهيوني على عدد كبير من العملاء في كثير من الدول العربية، وفي مراكز حساسة و قادرة على زعزعة استقرار هذه الدول في أي لحظة، و من بين هذه الدول يوجد المغرب. ويصرح سام بنشطريط لقناة أجنبية أنه كان مكلفا بالاستخبارات الصهيونية بالمغرب، وأنه واجه صعوبات كثيرة، وبعلم حميد شباط بالصفة التي يتحرك بها بنشطريط داخل “كونفدرالية اليهود المغاربة بالعالم”، كموظف كبير في الاستخبارات “الإسرائيلية”، ويعلم بمسلِّم الشهادة وهو كولونيل في الجيش “الإسرائيلي”. وأمام صورة واضحة لشهادة تحمل العلمين المغربي و”الإسرائيلي”، ومائدة غداء بخمور وأغاني “إسرائيلية”، ووجود وجوه معروفة في منوال خدمة المشروع الصهيوني، وجب طرح أسئلة أخرى تستعصي على مقام المقال. اللقاء الذي انعقد سنة 2011، وقبيل وصول حميد شباط إلى قيادة حزب الاستقلال، وعمله على شرخ الحكومة نصفين، والبحث عن إسقاطها، والتنسيق الواسع بين أطراف لطالما تم التحذير من أدوارها في الشأن السياسي المغربي، وما تم من تغييرات على مستوى مقدمة أحزاب بعينها. وختاما تسترسل الأسئلة، وتبعث نفسها، إذ لماذا يقوم مسؤولان في الموساد وفي الجيش “الإسرائليين” بتكليف نفسيهما عناء تكريم حميد شباط في ذلك السياق الزمني بالذات، وإقامة حفل كبير بالمناسبة، ومقابل ماذا ؟ ولماذا حاولت قيادة حزب الاستقلال تحريف النقاش إلى الحديث عن فبركة صور قبل ظهور الفيديو، إن لم يكن في الأمر فعلا شأن كبير وأمر خطير؟ ولماذا تهتز قيادة الحزب بأكملها للرد على موقع “الرأي” إن كان الأمر مجرد فبركة ولا يتوجه إلى القضاء إن كان متيقنا من ثبوت التهمة في حق الموقع ؟ ولماذا يحاول البعض التنقيص من الجريمة، وتحويرها إلى مجرد صراع سياسي، وتصفية حسابات، فإما أن الأمر ثابت وهو يشكل خطرا، وخطا أحمر بإجماع المغاربة، وإما أنه عكس ذلك ووجب أن يقول القضاء كلمة فصل في الموضوع؟ ولماذا صمتت كل الجرائد الورقية وجل المواقع الاكترونية، وبلغ الأمر حد سحب بعض المواقع للمواد التي أدرجتها حول شريط الفيديو ؟ أسئلة قد لا تشفي أجوبتها غليل شريط الفيديو وهو يعرض قيادة سياسية مغربية تتسلم شهادة تحمل العلمين المغربي، جنبا إلى جنب، مع “الإسرائيلي”، وفي حفلة خمرية وحديث مطول من بينه سؤال مستفز، هل يا سيد شباط يمكن أن تساعد “إسرائليين” من أجل تمكينهم من التصويت في الانتخابات المغربية ؟
المصدر: جواد غسال نشر في الرأي المغربية

