المكانة الدستورية للملك تمنحه قيادة البلد باعتباره أميرا للمؤمنين ورئيسا للدولة، غير أن وظيفة الحاكم تكاد تختفي في ظل العمل الإنساني الذي يقوم به الملك، حيث يركز جهوده على خدمة كل ما هو اجتماعي وتنمية البشر قبل الحجر والشجر، والاهتمام بالطبيعة الإنسانية للعمل قبل طبيعته القانونية والحقوقية. وفي هذا الإطار يندرج القرار الملكي والتوجيه لوزير العدل والحريات بتشكيل لجنة لدراسة ملفات المعتقلين الفرنسيين بالمغرب، الذين دخلوا في إضراب عن الطعام منذ الثلاثاء الماضي، وذلك احتجاجا على تعليق العمل باتفاقيات التعاون القضائي بين المغرب وفرنسا. فتعليق الاتفاقيات القضائية واستدعاء قاضية التواصل، تتحمل مسؤوليته الحكومة الفرنسية، التي خرقت الاعراف الديبلوماسية المعمول بها دوليا، وقامت باستدعاء استعراضي لمسؤول أمني مغربي يرمز لسيادة البلد عن طريق سبعة من عناصر الأمن الذين توجهوا لمنزل سفير المغرب بباريس، وهو ما يعتبر عملا مشينا ولا يعير أي اهتمام لاتفاقيات التعاون القضائي، مما دعا المغرب إلى تعليق العمل بهذه الاتفاقيات. وهنا وجب التمييز بين العمل القانوني والعمل الإنساني. فقانونيا لا يمكن الحديث عن ملف المعتقلين الفرنسيين بالمغرب لأن إجراءات التسليم للبلد الأصلي غير ممكنة في ظل تعليق اتفاقيات التعاون القضائي، وبالتالي يدخل العمل الإنساني على خط ليفتح قوسا داخل هذه القضية، ويمنح هؤلاء بصفة استثنائية فرصة الاستفادة من إجراءات الترحيل. إذن وجب النظر للعمل الملكي على أنه إنساني استثنائي لا يلغي قرارات المغرب السابقة، لأن حل إشكال التوتر ليس رهين حالة من الحالات ولكنه مرتبط بدراسة شاملة للملف ونزع أسباب التوتر التي تتحمل مسؤوليتها الحكومة الفرنسية. ولا تعارض بين العمل القانوني والعمل الاستثنائي الذي يعتبر استثناء، فالرؤية الملكية للقضية ترتكز على أنه لا ينبغي أن يكون المواطن كيفما كان عرضة للنزاعات بين الدول، ومن هذا المنطلق جاء القرار الملكي لتجاوز المحنة الإنسانية التي يمر منها المعتقلون الفرنسيون الذين وجدوا أنفسهم عالقين في المغرب نتيجة عدم قدرتهم على طلب الترحيل المرتبط بعودة اتفاقيات التعاون القضائي. وليست هذه هي المرة الأولى التي يقوم فيها جلالة الملك بمثل هذا العمل الإنساني الاستثنائي، حيث يذكر المتتبعون ومعهم العالم، أنه أثناء تعليق العمل باتفاقية الصيد البحري بين المغرب والاتحاد الأوروبي، وقعت كارثة إنسانية ناتجة عن كارثة بيئية أصابت منطقة غاليسيا بالجنوب الإسباني التي يعيشها سكانها على الصيد البحري، وكانت ناقلة نفط تضررت فتضررت معها المنطقة التي لم تعد صالحة للصيد، فأعطى جلالة الملك أوامره بأن يتم السماح لهؤلاء الصيادين بصفة استثنائية بدخول المياه المغربية. فرغم تعليق الاتفاقيات يسمح الوضع الاستثنائي بفتح ثغرة وسط حالة التوتر لأسباب إنسانية، وهذه من مهام جلالة الملك، الذي أظهر توجها إنسانيا غير مسبوق خصوصا بعد منح المهاجرين العابرين للمغرب الإقامة الدائمة ومنهم مهاجرون أوروبيون فروا من الأزمة.
المصدر: النهار المغربية نشر في النهار المغربية

