لم يكن تقديرنا مخطئا حين وصفنا في افتتاحية سابقة «المناظرة» التي نظمها برنامج «مباشرة معكم» بشكل استثنائي، بأنها «عجيبة تجمع ما لا يجتمع» وبأنها لن تجرؤ على طرح سؤال اللغة الفرنسية في التعليم الأولي، فهذا بالضبط ما حصل، لأننا رأينا اختلالا كبيرا في التوازن في الحجم والمستوى والكفاءة. فبينما كان يؤسس الدكتور عبد الله العروي أفكاره على حجج قوية ويدفع بأفكار متخصصين يذكرهم بالاسم، ويستشهد بكتاباتهم ويأتي بكتبهم للبلاتو ويقرأ منها، ويحاجج عن أطروحته بتجارب عرفتها بعض الدول، لم نسمع من الطرف الآخر سوى مهاترات فارغة وكلام على الذات وحملات إشهارية لجمعياته المختلفة لم يوقفها منشط البرنامج على طول مدة المناظرة، بل لم يقدم طوال الحيز الزمني الذي أخذه حجة واحدة قوية، وظهر مشدوها أمام الحجج التي دفع بها العروي وكأنه لأول مرة يكتشف أن المنطق الذي يستند إليه دعاة التدريس باللغة العربية لهم جذور راسخة لا يمكن أن تزعزعها الهرطقات والترهات الفارغة.
ليس المهم الآن التعليق على المناظرة، وإعادة اجترار مضامينها، لكن المهم هو تقييم ما بعدها، والتقاط الدروس الأساسية من النقاش الذي فتحته، والتي يمكن أن نختصرها في خمسة دروس أساسية: 1- أن النقاش حول التدريس بالدارجة انتهى أو يجب أن ينتهي، إذ لم يعد له أي جدوى اليوم، وأن بذل الجهد لتبرير التدريس باللغة العربية وتقديم الحجج المتعددة من أجل ذلك، أصبح اليوم أشبه ما يكون بالمخاطرة التي تسمح للخصم باللعب في مربع العمليات. 2- أن الطابع الهوياتي الحساس للمسألة اللغوية يتطلب أن يكون النقاش فيها بمستويات جد عالية من التخصص، إذ أثبتت المناظرة أن الذين تبنوا مطلب التدريس بالدارجة لا يدركون مخاطر هذه الدعوة ومآلاتها وذلك بسبب عدم توفير الشروط التخصصية المطلوبة لدراسة كل الحيثيات المتطلبة في النقاش اللغوي، وهو ما يعني ضرورة، بالنسبة للمؤسسات الدستورية، تغيير المنهجية في استقبال المذكرات، ووضع شرائط منهجية وعلمية تخصصية لتحصين النقاش اللغوي من العبث والمهاترات الفارغة. 3- أن مطلب إخراج أكاديمية اللغة العربية أصبح ضرورة ملحة بحكم القناعة التي تم التوصل إليها بخصوص ضرورة تطوير اللغة العربية وتبسيطها وجعلها في متناول الجميع وضمان تنمية استعمالها تماما كما هو الاستحقاق الدستوري، إذ تبين أن لتأخر إخراج هذه الأكاديمية كلفة كبيرة ليس أقلها صدور هذه الفقاعات التي تزيد من تشويه المشهد اللغوي وإضعاف اللغة العربية. 4- أن النقاش الأساسي، كما خلصت المناظرة، ينبغي أن ينصب بالدرجة الأولى على قضيتين اثنتين، الأولى، وهي التمييز بين اللغة العربية التعليمية والتي يفترض فيها التبسيط والتناسب مع الفئات العمرية والخصائص الإدراكية للمتعلم وهذا دور المدرس، وبين اللغة العربية العالمة التي تشكل الوريد الذي يتم من خلاله الاتصال بالتراث والحضارة. والثانية، وهي طرح سؤال التدريس باللغة الفرنسية والإنجليزية في التعليم الأولي والابتدائي، مع تهميش وإغفال اللغة العربية، وفتح نقاش واسع بهذا الخصوص، وعدم الدفع بأية حجة سياسية لتعطيله، ورهن الحسم فيه بالأفق السيادي. 5- أما الدرس الخامس، فيخص نقل النقاش من التعليم إلى لغة الإعلام والإشهار ولغة الإدارة ايضا، وفتح نقاش علمي حول مخاطر هيمنة الدارجة على المنشطين الأولين وهيمنة اللغة الفرنسية على المنشط الثالث، وعلاقة ذلك بأهداف السياسة اللغوية التي يلزم اعتمادها، خاصة وأن المشهد اللغوي في هذا المجال صار يتسم بطابع الفوضى والتسيب والخروج عن كل المقتضيات الدستورية.
المصدر: بلال التليدي نشر في التجديد

