عاشت العديد من الأسر ليلتي الاثنين والثلاثاء 17/18 من شتنبر الجاري فيضانات جارفة بلغت حد الطوفان في بعض الأحياء في أسفل مدينة بني ملال فأغرقت الأمتعة وألحقت أضرارا وخسائر كبيرة لا يعي وقعها سوى أصحابها من الفئات الفقيرة التي تقضي اليوم في الكد من أجل كسب لقمة اليوم . خسائر متنوعة في شكلها لكنها واحدة من حيث قيمتها عند أصحابها . زارت التجديد العديد من الأسر المنكوبة ووقفت على حجم هذه الخسائر ووقعها في نفوس الأسر المتضررة وأنجزت الربورطاج التالي.
حّدت الخسائر الفادحة التي تكبدها منكوبو الفيضانات بالأحياء السفلى ببني ملال : حي بوشريط وحي الأميرة لالة عائشة وحي بولكرون وحي قصرغزافات (وحّدت) كل شباب هذه الأحياء فخرجوا منذ الساعات الأولى من شروق صباح الأربعاء في مظاهرة شعبية حاشدة الى ملتقى شارعي 20 غشت وشارع بغداد من أجل إبلاغ صوتهم الى المسؤولين . و فضّل الشباب اللجوء الى وقف حركة المرور بسد المدارة المذكورة بواسطة الحجارة ومتاريس بشرية من جميع الفئات والأعمار… فنددوا وصرخوا وشجبوا وأدانوا وحملوا المسؤولية للقائمين على الشأن المحلي ومنتخبيهم وكل من له علاقة بموضوع المصاب الذي لحقهم … غضب التقت «التجديد» مجموعة من هؤلاء الفتية المختلفة أعمارهم وأزقتهم لكن الموحدة ألسنتهم وأفئدتهم المليئة بالغضب تارة وبالحزن أحيانا كثيرة، يلحون على «التجديد» لدخول بيوتهم البسيطة بحي بوشريط والانعاش (حي الأميرة لالة عائشة ) للوقوف على حجم الخسائر التي خلفتها العاصفة التي ضربت مدينة بني ملال على مدى يومي الاثنين والثلاثاء. يقول طارق شاب في العشرين من عمره ل التجديد «لم تترك لنا الفيضانات شيئا، غرقنا ليلتين متواليتين وغرقت معنا كل أمتعتنا هذه منازل الأزقة رقم 2 و8 و11و 15 …وهذا مسجد حي الأميرة لالة عائشة والمركب السويو ثقافي الحديث البناء كلها غرقت وأتلفت سيول الفيضانات محتوياتها فأصبح السكان بعد 48 ساعة بدون أغطية ولا ملابس ولا أجهزة منزلية بل لم أجد يضيف طارق حتى السبيل للدخول الى بيتي فأضطر الى امتطاء سطح الجيران بقصد تفقد ما تبقى لي ولرضيعي ذي 9 أشهر من متاع …» وجه النكبة يتشابه من منزل الى آخر ومن أسرة الى أخرى: منظر كل الأزقة المملوءة بالأفرشة المبللة والمطلية بالأوحال لا تدع مجالا للشك أن كارثة عظمى حلت بهذه الأسر البسيطة التي تنتمي الى الفئات الفقيرة جدا. سيل جارف تقدمت «التجديد» في جولة استطلاع صحبة نفر من الشباب وزارت البيوت ووقفت على حجم الخسائر المادية التي الحقها الفيضان والذي لم يُبق ولم يذر شيئا لتدفئة الأجسام النسوية والرجالية وأجسام الصبية المنهكة بمقاومة السيول طيلة ليلتين من الطوفان. بكت السيدة فاطمة القلش وهي تنتعل حذاء رجاليا بلاستيكيا خاصا بالأمطار أكبر من مقاسها وتبكي ضياع قوت أسرتها الذي تصببت عرقا من أجل جمعه خلال الصيف أملا منها أن تغطي هذه الكمية من حبوب القمح قوت أسرتها خلال موسم الأمطار. «تمارتي مشات، رزق اولادي ضاع،…» هذه هي العبارات التي تتردد على لسان السيدة فاطمة التي تجاوزت عقدها الرابع والتي تبدو برؤية العين وكأن الفترة التي قضتها بدون نوم ولا أكل قد زادت من غور خطوط الزمن التي رسمها على وجهها. صدمة لم تفق من وقعها بعد بنتها البكر التي عرت بكل عفوية على ذراعها وكله كدمات أصابتها في جوف الليل وهي تحاول صد السيل الجارف من دخول بيتهم . «تعتبر الزنقة 15 والزنقة 16 من أكثر الأزقة نكبة في حي قصر غزافات بسبب تواجدهما بالقرب من وادي داي حيث تصب كل سيول العالية من المدينة بالإضافة الى صرفها الصحي « يوضح عبد السلام شاب في الثلاثينات من سكان الزقاق المذكور، مشيرا بأصبعه الى قنوات الصرف الصحي التي لايتعدى قطرها 30 سنتيمتر مستنكرا «لا يعقل لقنوات من هذا الحجم ان تستوعب مياه الصرف الصحي لآلاف الأسر في هذا الحي فما بالك لما تصب فيها القناة الرئيسية للتطهير السائل الخاص بمدينة بأكملها …» مشهد القنوات التي تطوع شباب الحي لفتحها ومحاولة تنظيفها من الأوحال والأوساخ العالقة لا تفي برؤية العين لاستيعاب سيول بلغت في أقل من ساعتين 49 ملم . رد الشباب المصاحب ل،»التجديد» من أبناء الأحياء المنكوبة السبب الرئيسي الى عدم فتح القناة الرئيسية التي مازالت مغلوقة إلى حد الآن بسبب خلاف بين صاحب الأرض التي سيمر منها مشروع التطهير السائل والذي انطلق منذ سنة 2008 ولم يكتمل الى الآن من جهة وعدم استباق موسم الأمطار بتهييء القنوات الموجودة وتنظيفها وتهيئة ضفاف وادي داي الذي يخترق أحياء الهدى 2 وبوشريط وحي الأميرة لالة عائشة وحي قصر غزافات والشهداء وبولكرون …تحسبا لأي طارئ .كما استنكر الشباب البطء الذي عرفه تنفيذ هذا المشروع . خرافة مشروع أصبح عند العديد من السكان كخرافة ألفوا سماعها كل موسم أمطار من أمثال الشافعي فاطمة التي تتأبط راية الوطن لعلها تدفئ مساحة الصقيع الذي خالج دواخلها كأرملة وهنة أمام عواصف الزمن القاسي انضاف اليه الطوفان الذي اتى على آخر ممتلكاتها البسيطة جدا. وهذه السيدة «فاطمة الموطور» لم تعد تطيق ما أصبحت عليه تندب حظها وحظ ذويها ففتحت باب منزلها في آخر نقطة من حي قصر غزافات على مصراعيه للمشاهدين والمارة من أجل الاطلاع الى حجم الخسارة التي لحقت بأثاثها البسيط ، وقالت بمرارة لا تحسها إلا أم مكلومة « ابنتي حرمت من الدراسة لم يدر الفيض لنا شيئا ولا أحد مد ألينا يد المساعدة، بل هناك من المسؤولين من تعامل معنا تعاملا غير لائق بمنكوبين ضعفاء وبسطاء مثلنا «. لا مبالاة «حقا – أجمع الشباب المحيط ب «التجديد» – بالقول «في ظروف أقل مما أصابنا تنصب خيام التطبيب وتقدم المساعدات العينية وتجفف الدموع وتدفى الأجسام الباردة وهذا أقل ما كنا ننتظر من المسؤولين بمدينتنا… «»لكن للأسف الشديد لم نتلق أي شيء من هذا فتركنا لمصيرنا نقاوم السيول والبرد والجوع وقلة ذات اليد ،حتى الآليات التابعة للوقاية المدنية ووكالة توزيع الماء والكهرباء لم تكن بالقدر الكافي للتخفيف من مصيبتنا فلم تبق لنا سوى حناجرنا لإبلاغ أصواتنا لعلها تجد صدى عند ذوي الضمائر الحية من القيمين على الشأن المحلي بمدينتنا. مشاعر اختلط فيها البؤس ، والحكرة، والضعف، والغضب ،والاستجداء ،والتضامن بين المنكوبين فتمد هذه الأسرة أغطية للأسرة المنكوبة المجاورة ،ويستعمل هذا الرجل ملابس جاره أو بعض ما تبقى منها ،48 ساعة كانت كافية لترد الآلاف من الأسر الفقيرة الى نقطة الصفر ليعاودوا التفكير في إعادة ما جرفته السيول وضمان الاستقرار لأفراد العائلة لعل عقارب ساعاتهم تتجه الى الغد وتنسيهم ندوب ما خلف طوفان الأمس .
المصدر: حسن البعزاوي نشر في التجديد

