لاشك أن ارتباط العلم بالعمران في بلاد المغرب قضية تسندها الوقائع التاريخية، والمآثر العمرانية بحيث لا يمكن بحال فصل تطور العمران عن الحركة العلمية بكل أرجاء المغرب وعلى الخصوص في مدينة فاس لدرجة يمكن معها القول أن «فاس هبة القرويين» مثلما قال هيرودوت أبو التاريخ، يوما، أن «مصر هبة النيل».. و قد شكلت القرويين منطلقا حقيقيا للعلم والعمران في بلدنا الكريم، يشهد على ذلك النسيج العمراني الذي تطور واستفحل في علاقة جدلية مع ازدهار العلم في رحاب الجامعة المباركة…
لقد استمرت الأنشطة الدينية تُقام بجامع القرويين منذ نشأته، وكلما تطورت مدينة فاس عمرانيا انصبت جهود المحسنين على الاهتمام بالمسجد الجامع توسعة وصيانة وحفظا، فصار عبر تاريخنا العلمي الطويل قطبًا ومنارةً لمساجد الدولة المغربية ومدارسها ومعاهدها، نظراً لإشعاعه الروحي المتواصل وتوجيهه للحياة الدينية والعلمية عبر أرجاء المغرب.. عندما ازدهرت الدراسة المركزية بفاس ، بنيت عدة مدارس ملحقة بالمساجد لإيواء الطلبة، تحتوى على مرافق للسكنى والدراسة والمطالعة والصلاة مع تشجيع الدارسين على طلب العلم. ويرى الأستاذ الحسن السائح في كتابه عن «الحركة العلمية بجامعة القرويين، منشورات الإسيسكو) أن الخطيب ابن مرزوق لم يكن مصيباً في كتابه «المسند الصحيح الحسن في مآثر مولانا أبي الحسن» حين زعم أن أبا يوسف يعقوب المريني هو أول من أسس المدارس بفاس ببنائه مدرسة الحلفاويين سنة 670 ه ،المعروفة بمدرسة «الصّفّارين»، إذ الواقع أن بناء المدارس كان معروفاً قبل ذلك الوقت بكثير، ومن أدلة ذلك أن ابن أبا زرع قال في «روض القرطاس» أن أول مدرسة عرفت بفاس هي مدرسة المرابطين، بناها العلامة سيدي واجاج بن زلو اللمطي دفين آكلو بالقرب من تيزنيت ، وكان رحمه قد أرسى دعائم مدرسة علمية مباركة بدعم من أستاذه الكبير أبي عمران الفاسي ، دفين القيروان .. وكان يوسف بن تاشفين المرابطي أسس بفاس مدرسة «الصابرين» التي سميت فيما بعد بمدرسة بومدين، وكان تأسيسها في أوائل القرن الخامس الهجري بعدما أضيفت بجامع القرويين مرافق جديدة بما يليق بازدهار الحركة العلمية بها.. ومن أبرز مدارس المغرب في عهد المرابطين، كلية القرويين نفسها، ويذكر ابن الأبار في «التكملة» عدة مدارس أخرى كانت بطنجة وأغمات وسجلماسة وتلمسان ومراكش. كانت هذه المدارس تأوي علماء القيروان وعلماء الأندلس، وتوثقت الصلات العلمية بين القرويين والأندلس عبر القرويين، فاستفادت الأندلس من ذلك كثيراً إذ آوت قرطبة عدداً من الكتاب والأدباء ضمن سيرورة هذه الحركة العلمية المباركة، ترجم لمعظمهم الفتح ابن خاقان في كتابه : «قلائد العقيان»، وكان جلهم يحذقون لغات النصارى المجاورين لهم، ويترجمون عنهم، فتم النقل والترجمة من الحضارة المسيحية واللاتينية إلى اللغة العربية .إن تحبيس المال على القرويين لم يكن عملا استثنائيا ولا غريبا، فإن الناس عامة وخاصتهم، قد تعاقبوا على إهداء أموالهم وتحبيس ممتلكاتهم لفائدة القرويين كلما احتاج ودون أن يحتاج. وهكذا صمدت هذه المعلمة ونمت وتطورت وتوسعت حتى أصبحت كشجرة في فاس وثمارها تصل إلى كل الناس حسب تعبير الحسن السائح..وكل المدارس والمساجد العلمية التي أسست بفاس خلال عصري المرابطين والموحدين كانت مرتبطة جدليا بالحركة العلمية والتربوية التي ازدهرت بجامع القرويين.. وقد أدى هذا الازدهار للحركة العلمية في رحاب القرويين أن تكاثرت المدارس، وتقدمت حركة التأليف والتدريس بشكل مثير للدهشة.
المصدر: جمال بامي نشر في التجديد

