تحكي هذه الزاوية أحداثا وتجارب من يوميات المؤرخ المغربي عبد الهادي التازي الذي تقلد عدة مناصب علمية وسياسية وديبلوماسية في المغرب وخارجه، وخط مسيرة طويلة حفرت معالمها في الذاكرة ولم تفلح السنين الطويلة في محو آثارها.. وقفات من أيام الكُتّاب الذي أتم فيه حفظ القرآن وهو ابن 11سنة، إلى القرويين التي حصل منها على العالمية، ليخرج بجلبابه التقليدي إلى فضاء المعرفة المشرعة الأبواب باحثا ومؤلفا ومترجما عن لغات أخرى.. من التاريخ الذي عايش فيه عهد الحماية وأسهم منذ صغره في الحركة الوطنية التي تعرض فيها للاعتقال والنفي، إلى الجغرافية التي أوغل في شعابها، وحلّق في أكثر من 1200 رحلة عبر العالم يختبر الأمكنة كما اختبر الأزمة.هو الذي بلطف الأقدار صار عبد الهادي التازي الذي نعرف، ولولاه لغبَرَ اسمه في بيت امرأة عاقر بدرب المقوس بفاس العتيقة قامت بسرقته، لكن صوت «البراح» المرعب كان كافيا لإبطال العملية.. هو «الرقيب العتيد» كما سماه شيوخه.. المبتلى بالتدوين والتوثيق لدرجة أنه يجد رائحة أصابعه في دفاتره القديمة التي أغرم بالكتابة فيها منذ الصغر وتدوين كل واردة وشاردة، حتى جمعها في قراطيس وضع لها نفس العنوان «شم الأصابع».عضو أكاديمية المملكة المغربية، وسفير للمغرب في ليبيا والعراق وإيران والإمارات.. يكتب في «تفسير سورة النور» وعن «تاريخ العلاقات الأمريكية المغربية»وعن «أعراس فاس» وفي»الطب النبوي بين المشرق والمغرب»ويحقق «رحلة بن بطوطة» في خمسة مجلدات.. يسرد في قائمة مؤلفاته أكثر من 50 مؤلفا ولسان حاله يقول يا ليت الوقت يسمح بالمزيد.. يفتح «كنانيش» زملاء مروا معه في الدراسة ويخبرك أنه يكتشف في هذه اللحظة أن الكل مضى، وربما وحده من بين القائمة ما يزال على قيد الحياة.
التجديد التقت التازي في بيته في جلسات مسائية، فرحب بقراء الجريدة وروى شيئا من يومياته في الزمان والمكان. في البداية لو حدثتنا قليلا عن الولادة والنشأة؟ ❍ أنت تريد أن تفضح مولدي ولابأس فأنا أرحب بذلك.. الولادة كانت بالضبط شوال عام 1339 الموافق 15 يونيو 1921، وكنت رقم 11 من بين إخوتي.. أنا الآن آبلغ من العمر 95 سنة بالهجري أما الميلادي 92 سنة. وفيما يتعلق بالنشأة أقول لكم إنني وجدت نفسي ذات يوم في حومة بقلب فاس العتيقة تسمى «حومة العيون» وسميت كذلك لأنها كانت تحتوي على عدة عيون نابعة، فيها فتحت عيني وأحتفظ لها بذكرى خالدة في ذاكرتي، حيث كانت مثوى لعدد من الأسر الفاسية العتيقة أذكر منها أسرة علال الفاسي وأسرة الغزاوي وغيرها.. في حومة العيون التحقت بالكتاب أول مرة وعرفت الكتاب عند شيخي الأول السيد عبد السلام الحياني الجابري وهو والد المقرئ المغربي الشهير حيث استظهرت كتاب الله وأنا ابن 11 سنة. ماذا تذكر من أيام الطفولة الأولى؟ ❍ حومة العيون التي فتحت فيها عيني على الحياة كانت تشتمل على دروب مثل درب المقوس ودرب الروم الذي كان يسكن فيه بعض الأوربيين في بداية الحماية.. وبودي لو أحدثك عن كل ما علق بي من حومة العيون أنا الذي أتذكر أيامها وأنا أذهب مع الوالدة إلى الحمام وكان من أصعب أيام حياتي لأنني أتعرض فيه للماء الساخن وللعرك والفرك الذي لا أتحمله.. وأنا أخيط أيام رمضان في أيام صومي الأولى مع جدتي حيث كان الطفل يبقى ممسكا حتى وسط النهار فيدخلونه إلى باب الغرفة ويأكل شيئا في خفية من الناس ويستسمر إلى الغروب.. لكن أهم ما حدث لي هو ما كنت سأكون به غير عبد الهادي التازي هذا الذي تعرفون.. أذكر أنه في يوم من أيام حومة العيون سرقت من قبل سيدة كانت عاقرا، إذ خرجت من بيتنا بدرب المقوس إلى بيت جدتي الذي لم يكن بعيدا عن بيتنا، وأثناء الطريق -ولا زلت أذكر أنه حصل في منعرج اسمه رشم العيون – وجدت نفسي أمام باب دار مفتوح أخذتني سيدة وأدخلتني إلى البيت، لم أكن أعرفها. أدخلتني ونومتني وحين استيقظت وجدت نفسي في بيئة لا أعرفها فأخذت أبكي وأصيح. في هذه الأثناء كان والداي منشغلان بالبحث عني وكان في وقتها أكبر وسيلة للإعلام هي ما يسمى البراح ينادي في الشوارع ويعيد، وهو ما اضطر أخيرا هذه السيدة تحت الضغط الى رميي خارج البيت. ومما أذكره أيضا، دار الطبيبات. ذلك أن الفرنسيين كانوا حريصين على أن ينشئوا ما يسمونها «دار الطبيبات» وهي بمثابة مستوصف أو مستشفى صغير، يقوم بعمل مزدوج الاسعافات الطبية وفي الوقت نفسه يقوم بالتبشير، حيث لما دخلت وجدتها نظيفة ومؤهلة. وكنا نستمع أول ما نستمع إلى الموسيقى.. نستمع للموسيقى ونحن صغار ونبقى نحدق في الطبيبات أو «الأخوات» بلباسهن الأبيض النظيف يتنقلن كملائكة. ولا زلت أذكر عندما أتعرض لوقعة على الأرض أو تمرض عيني تحملني أمي إلى الطبيبات. كيف كانوا يقومون بالتبشير؟ ❍ سؤالك في محله.. الأمر كان يتجلى في سماعك للموسيقى على نغماتهم، ويحبسونك وقتا لترى وتشاهد .. وهي طريقة ذكية حيث يجعلونك تتعشق أن تلتمس راحتك عندهم. هذا في الخطوة الأولى، ثم يقدمون لك بعض الإحسانات ثم تأتي المراحل الأخرى.. وكيف كان ينظر الأهالي إلى تلك الدار؟ ❍ الأهالي كانوا يلتمسون علاجهم ولم يكونوا يبحثون عن هوية الطبيب ولذلك يجد عنده الحق ليبتزك و يستغلك كما يشاء. هذا الموضوع دقيق جدا، كانوا يقدمون لك العون في مقابل تبشير قد تراه وقد لا تراه.. الأساس أنهم يشعرونك أنك في محيط إنساني رقيق وعطوف. وهنا وقعت وقفة مهمة في حياتي وهي الحادثة التي يعرفها الأطفال جميعا وهي الختان. يجب أن تعرف أنه يؤرخ تأريخا دقيقا لمرحلة حاسمة في حياة الطفل، ولذلك ما زلت أتذكر الوقائع جيدا كلما ذكرت حومة العيون .
المصدر: التجديد نشر في التجديد

