باستثناء حزب الأصالة والمعاصرة الذي أصدر بيانا يعتبر فيه الانقلاب العسكري في مصر «تدخلا لحماية المؤسسات والديمقراطية»! تحاشت أغلب الأحزاب السياسية في المغرب توصيف ما جرى، مكتفية بالتأكيد على التمايز الكبير بين السياقين المغربي والمصري، ومحدودية تأثيرات التطورات التي تجري في مصر على المغرب، هذا في الوقت الذي برزت فيه إدانة مدنية قوية للانقلاب على الشرعية في مصر، ليس فقط من قبل الإسلاميين، ولكن أيضا من قبل العديد من المكونات الحقوقية.
المثير للملاحظة في هذه المواقف، أن جميع مكونات الطيف السياسي، من غير استثناء، بما في ذلك التي باركت الانقلاب، انتهت في تقييمها إلى أن التجربة السياسية المغربية، بارتكازها على التقاء الإرادة الملكية والإرادة الشعبية، وبقوة مؤسساتها، والإجماع السياسي والمجتمعي على الوثيقة الدستورية، هذا فضلا عن العملية الانتخابية التي أفرزت المؤسسات السياسية المنتخبة والتي لم يطعن فيها أحد، كل هذه المقومات تجعل هذه التجربة محصنة من أي ارتداد، وتؤكد بأن الخيار الديمقراطي في المغرب خيار لا رجعة فيه. طبعا، هذا الإجماع لم يمنع تعدد الرؤى والمقاربات بخصوص الدروس والعبر المستفادة من التجربة المصرية، سواء تعلق الأمر بإعادة تقييم حقيقة التحول الديمقراطي في مصر في ضوء موازين القوى بين التطلعات الديمقراطية وبين مقاومة «الدولة العميقة»، أو تعلق الأمر بسوء تقدير قوة «الدولة العميقة» وأنسجتها وارتباطاتها المختلفة الداخلية والخارجية، أو تعلق الأمر بسوء تقدير الموقف الدولي بإزاء التطورات الجارية في مصر، أو ارتبط في جانب من جوانبه بطريقة تدبير العلاقة مع بعض أنواع الطيف السياسي. المهم، في كل هذه المواقف، أن الفرقاء السياسيين والمكونات المدنية، لم تتعامل مع التطورات التي تجري في مصر بنفس الطريقة التي حاول إعلام «الدولة العميقة» في مصر أن يسوقه، باستثناء موقف الأصالة والمعاصرة وبعض المنابر الإعلامية المحدودة التي جارت هذا الموقف، وأن شكل التعاطي، ارتكز على محدد أثر الانقلاب على تجربة الانتقال الديمقراطي في مصر، وهل يندرج في سياق إجهاض التجربة؟ أم إعادة بنائها؟ أم عودة الدولة البوليسية؟ معنى ذلك، أنه باستثناء موقف حزب الأصالة والمعاصرة، فإن تفاعل النخب السياسية والمدنية مع الانقلاب على الشرعية في مصر حكمه ثلاث محددات أساسية: 1- المحدد الأول: إدانة الانقلاب على الشرعية أو على الأقل تجنب توصيفه، والتركيز بدلا عن ذلك على مستقبل الانتقال الديمقراطي في مصر بعد الإطاحة بالشرعية وبروز مؤشرات الإجهاز على المكتسبات الديمقراطية لاسيما ما بحرية التظاهر والإعلام. 2- المحدد الثاني: تأكيد تمايز التجربة المغربية على الحالة المصرية، وصلابة التجربة السياسية المغربية وعدم قابلية الخيار الديمقراطي فيها للتراجع. 3- المحدد الثالث: حصر حجم تأثير التطورات الجارية في مصر على المغرب، في الاستفادة من عوائق الانتقال الديمقراطي، وضرورة تحصين التجربة من ارتداد جيوب مقاومة الإصلاح عليها، وتطوير العقل السياسي باتجاه فهم تناقضات الموقف الدولي، وتفاعلات النخب داخل البيئة السياسية، واستحضار الأبعاد الاستراتيجية التي تحيط بتجربة الانتقال الديمقراطي.
المصدر: بلال التليدي نشر في التجديد

