حكواتيون، موسيقيون، تجار وشاربو النار: “جامع الفنا” ساحة المهرجين في وسط مراكش ، مكان السحر.. هوالسحر ذاته الذي جذب ممثلين من هوليود وحاملين لجائزة نوبل.. بيد أن الباعة كانوا قاب قوسين أو أدنى من تكسير صورة الأسطورة المشرقية…
أيضا “سوزان ساردون” و”بين كينغسلي” مروا في زيارة من هنا، كانوا ينظرون من فوق “تيراس” سطح المقهى، من خلف الحاجز نحو الساحة الكبيرة، التي توازي مساحة ستة ملاعب لكرة القدم في الأسفل هناك، وهي تمتلأ شيئا فشيئا… إثنان من نجوم هوليود ينزلان ضيفين في “عالم غريب”، ممثلان من بلد واحد: أمريكا.. يريدان إعطاء نموذج لزملائهم القادمين من زمن آخر في ساحة المهرجين جامع الفنا في قلب مراكش ، ثم يتلمسا من الأفضل بعد ذلك ذواتهما في شئ من الحذر… هم هنا كي يشاهدوا أناسا من الأمس، من زمن لم تكن تتواجد فيه صور متحركة، ولم يكن ينزوي فيه الإنسان بعد في فضاء مغلق قبالة شاشة كبيرة كي يستمع إلى حكايات.. فقط بأصواتهم وحركاتهم ودوران أعينهم يحققون ما تنهض به السينما في الوقت الحاضر بكلفة عالية وعدة بشرية كبيرة.. بهدف تحريك الصور.. يجلس المرء القرفصاء على الأسفلت ويتعلق بشفاه الحكواتيين، يصغي لهؤلاء ويرقب كل حركاتهم وسكناتهم.. مهرجوا اليوم يزورون مهرجين من الأمس، وهم مغتبطون أن هذا الأمس مايزال حاضرا: في مراكش ، في أقدام قمم الأطلس المدثرة بالثلج… في الصيف تمتد عروض الموسيقيين والراقصين وشاربي النار والبهلوانيين ومروضي الثعابين والحكواتيين والعرافين حتى وقت متأخر، إلى حدود الرابعة والنصف صباحا، نظرا لأن قبل هذا الوقت تكون الحرارة على أي ما تزال ضاربة، وهي بذلك لاتشجع على العودة إلى فراش النوم.. في الشتاء يسدل الفاعلون الستار قبل منتصف الليل بفعل تحسس نسمات البرودة، بينما السحر يحتاج في عمقه للحرارة… – تعليمات بتكميم أفواه “تجار البازارات” ” إذا كان لديك يوم واحد في المغرب” يقول مثل سائر، ” فاقضيه في مراكش ، وإذا كانت ساعة واحدة فاقضيها في جامع لفنا “، والإسم في الأصل ” ساحة قطع الرؤوس”، لأن الحاكمين كانوا ينفذون فيها أحكام الإعدام في وقت مضى.. مثل ما كان الأمر قبل مئات السنين، تموج حركة اليومي من خلال شبكة من التجمعات المتزاحمة، الممتدة في بحر من الدور المتخفية في أطراف مدينة مراكش ، عبر مسالك متوارية، سرعان ما تأخذ في التيه على حين غرة، كأن تلك الموجات المتحركة من البشر تنحت في تواتر أزقة جديدة في الأحجار المترائية… ينساب الناس من الصباح إلى الليل في بحر فاقع من الألوان، حيث تعرض على البيع أحذية وأقمصة وسترات من مواد مصبوغة وجلود… في التسعينات ساءت سمعة مدينة مراكش إلى درجة غاب معها السياح الأجانب.. لقد بات وقتها التجار طفيليون جدا، بل الأكثر إزعاجا على صعيد المغرب.. الملك محمد السادس قضى في إثر ذلك بقرارات يسمح بموجبها فقط للمرشدين السياحيين الحاصلين على ترخيص من الدولة بمرافقة السياح بالمدينة ومنع على كثيرين ممن يسمون ذواتهم ” مرافقون” أو ” أصدقاء” من مرافقة السياح الأجانب، وفي نهاية المطاف يطلبون مقابلا ماديا مرتفعا.. هؤلاء ” المرشدون المزيفون والمزعجون” و كذلك ” تجار البازارات ذوي الأفق الضيق” أصبحوا بين يوم وليلة ممنوعين من الحديث إلى السياح… ومن يخرق هذه الخطوط، التي يقوم على مراقبتها مجموعة كبيرة من “رجال الشرطة” في زي مدني، يتم حبسه يوما كاملا ويؤدي غرامة مالية مقدارها راتب شهر لصانع تقليدي.. ومن يتم ضبطه في المرة الثانية يؤدي مقدار راتب سنة ويعاقب إلى ذلك من دون مواربة بشهرين حبسا زيادة… التعليمات الصارمة هاته وتطبيقها الحازم أظهرت في سرعة المرجو منها وأساسا في دوام التأثير… – “إعلان حب” للغريب الوقع الخرافي لكلمة ” مراكش ” في بلاد الغرب يعود في جزء منه إلى حامل جائزة نوبل في الأدب “إلياس كانيتي”، وفيه أن المدينة كانت فيما مضى أيضا قبلة للوسطاء والمهربين والانتهازيين، وهذه الصورة لم تختف أبدا في أعينهم ولم تغادر قلوبهم، وكتابه المشهور” أصوات مراكش ” هو إعلان حب نحو ” الغريب”، وقصيدة شعر في “حب الفضول”، في “سلطة العجيب” والحق في السؤال، في تلمس المحيط بكل تجرد في عالم مغاير تماما، دون سابق حكم بالرفض أو انطلاقا فقط مما هو مرئي.. كل شئ عنده له حق في أن يبقى كما هو عليه… الآخر الذي توج المدينة في تمثال اسمه “ألفريد هيتشكوك”، سنوات قبل أن يأتي إليها “ريدلي سكوت”، “مارتن سكورسيزي” و”أوليفر ستون”.. زمن قبل اختراع “مهرجان السينما” حتى، الذي دفع ” بين كينغسلي” و”سوزان ساردون” نحو السفر إلى مراكش ..هو قدم في أوائل عام 1955 من أمريكا وجذب في رفقته أيضا ” دوريس داي” و” جيمس ستيوارت”.. نزلوا وقتئذ في “الفندق الخرافي”، ذلك الوقت، ” المامونية” في شارع الباب الجديد، وأداروا ” الرجل الذي عرف الكثير”.. شريطهم هذا يصنف إلى اليوم ضمن الأفلام الكلاسيكية في سينما هوليود… – مدينة ملفوفة في نشوة شئ سيحمله جميع المخرجين الذين اشتغلوا هنا منذ ذلك الوقت معهم، وكذلك السياح.. هو ذاته الشئ أيضا بالنسبة ل” بين كينغسلي” و” سوزان ساردون”، الذين أخذ بتلابيهم ” سحر مراكش “، وسوف يعودون إليها دائما من جديد: “أصوات الأجراس” و”صفقات الطبول” في ساحة جامع لفنا، التي لا يجد الإنسان عنها فراقا.. هي تعشعش داخل الرأس وترن ما بين الأذنين ولا ينقطع هديرها البتة، فقط يمكن خفض ذلك الهدير.. هي خفقة القلب بهذه المدينة … في يوم جديد سترتسم خطوات الذات كي تمنح التظاهر في التحول إلى الأمام: الأيادي المنهمكة مساء وطوال الليلة في تطويع ” جلد عنزة” مثبتة مشدودة الأطراف بإحكام بتوالي الضربات، وغارقة (الأيادي) فيما يشبه حالة من الانتشاء، هي أيضا لها نصيب في المسؤولية.. الأيادي التي تقوم بذات الشئ كل مساء وكل ليلة على مدار السنة، هي أيادي لأناس في جلابيب فضفاضة بيضاء، لرجال بقبعات من صوف في لون أحمر، هم من يصنع جزءا في شريط هذه المدينة لاحتفال شعبي إسمه “اليومي المعيش”… شئ متفرد يشد الأجنبي وابن البلد سواء.. شئ كان دئما متواجدا فيما مضى.. ممتد في عمق امتداد قصص الحكواتيين الذين يجلسون القرفصاء في الساحة كل مساء، محاطون بالناس يحكون عن أميرات وأمراء وعن تجارب العشاق والمغامرات الخطيرة.. هي حكايات متناقلة أو قصص ربما مختلقة على الفور.. هؤلاء الحكواتيون هم جزء من هنا، تماما مثل الموسيقيين والبهلوانيين والعرافين ومروضي الثعابين وشاربي النار وأكلة السكاكين.. مثل المتسولين والشحاذين والنشالين.. هم جزء في “سحر كبير” في حروف خمسة لافتة: ” مراكش “… ترجمة: بوعمرو العسراوي – المصدر: عن “الشبيغل أونلاين”
المصدر: هيلغه سوبيك نشر في لكم

