كان الجمهور على موعد يوم الجمعة 07 دجنبر 2012، مساء، مع عرض مسرحي ساخر, انطلاقا من مقر مجلس المستشارين، وكان بطله بامتياز، رئيس الحكومة، الذي فوجئ بتواجد “سقراط، وأفلاطون، وأرسطو” من حيث الدقة في الألفاظ، وتحديد المفاهيم، وتسمية الأشياء بمسمياتها، مما لا تنفع معه ” السفسطة” أو “القول على قول”، وقد صدق “ألبيركامي” حين قال : “إن عدم تسمية الأشياء بأسمائها، يزيد الوضع تأزما”؛ وهذا بالضبط ما حدث يوم الجمعة، في مجلس المستشارين، حين عجز رئيس الحكومة، عن التمييز بين “الأمن الغذائي، والاكتفاء الذاتي”، وهو ما حدث لأحد الباحثين اختلط عليه الأمر، ولم يفرق بين “أفلاطون وأفلوطين”, واعتبرهما شيئا واحدا.. فبنكيران فوجئ بمستشارين مثقفين، يصححون له المفاهيم، ويحددون المصطلحات، وهو تكوين ما أحوج رئيس الحكومة إليه، وقد غرق في الأرقام، وأطنب في ذكر المواد، حتى اعتدى على تخصص وزير الفلاحة؛ ثم في الوقت الذي كان عليه أن يتحدث عن “الأمن الغذائي” كفلسفة، وكنظرة [مستقبلية] : [Prospective]، كان رئيس الحكومة يعرض سلسلة أرقام كما هي موجودة في مقررات “الاجتماعيات” بالمدرسة. لقد ظهر جليا أن الخوض في مثل هذه المواضيع المستقبلية، بدقة علمية، وبعمق فكري، وأداء لغوي واضح، ليس سهلا مثل زجر الموظفين، أو قمع المعطلين، أو الاقتطاع من أجور المضربين المظلومين، وهذه كلها أمور لا تحتاج في الواقع إلى رئيس حكومة، مع وزراء يفوق عددهم بضعفين، عدد وزراء الصين مثلا.. وخلال الجلسة، نبه أحد المستشارين “الرميد”، وزير العدل، والذي كان منهمكا في حوار مع وزير آخر، وكأنه في مقهى أو في صالون شاي، وطالبه المستشار بالإصغاء – هكذا – فوزير العدل في البلدان المتقدمة يتصف بالسلوك المدني، وباحترام حرمات المقام، وبالإصغاء كسنة مؤكدة من سنن العدالة، وقد نصت على ذلك شرائع السماء وقوانين الأرض؛ ولكن السيد الرميد، لم يعتذر وإنما حول الأمر إلى قهقهة ودعابة، مما يبين بالملموس، لماذا لا يُستجاب لمطالب رجال العدل، ولماذا لا يُسمع إليهم.. لقد كانت هذه الجلسة مليئة بالدلالات، وبالظواهر المعبرة، ليعلم الناس أي نوع من الحكومة نزل بنا نزول القضاء والقدر، وأي صنف من الوزراء ابتُلين به، ومن بينهم وزير للحكامة، وقد بدت الحكامة في كل القطاعات من عدل، وصحة، ونقل، وتعليم، وقد تبارت الأقلام في وصف الأعمال وذكر الأحوال، لحكومة جمع وزراؤها من كل أوْب، ونودي عليهم من كل شوْب، فكانت سياستهم نفاقا، وأغلبيتهم شقاقا، وأعمالهم زُعاقا، في كل قطاع أكان فيه الإخوان أو الرفاق.. فهل وجدوا ولو ما يشبه الحلول، لأي مشكل في أي قطاع؟ أتحدى أن يُؤتى ولو بمثل واحد في هذا الباب؛ اللهم ما كان من التشنج والاحتقان. وعندما عاد (سيد قومه) إلى المنبر، ليرد على ملاحظات بعض المستشارين، تحولت الكوميديا إلى تراجيديا؛ فانسحبت بعض النقابات العمالية احتجاجا على رداءة العرض، ثم توالت زلات اللسان، وانخفض مستوى البيان، وارتفع الأسلوب إلى ما يشبه اللعان، من نهر، وقهر، وشدة في حد اللسان، فانفض جمع من حول بنكيران، وغادر حشد قاعة العرض في “دار الندوة”، ونفض كل واحد تلابيبه، بعدما نسي بنكيران مسؤوليته، وبدأ ينتقد حزبا لم يحكم أبدا منذ نشأته، وخرج رئيس الحكومة عن الموضوع، ونسي إطار الحوار، ومن يخرج عن الموضوع، ينال في الامتحان نقطة موجبة للرسوب، وقد نالتها حكومة بنكيران في النظري، والتطبيقي، وهاهي تنالها أخيرا في الشفوي… سبق لبنكيران أن قال لأحد المستشارين : ” بيننا الشارع”، وقد ذكّره يوم الجمعة بذلك.. وكان بنكيران يريد بهذا، تهديد الناس بصولة الشارع، على اعتبار أن (العدالة والتنمية) تملك الشارع، وهذا هراء، ومحض كذب وافتراء، وأتحدى بنكيران أن يحتكم اليوم إلى هذا الشارع.. فهذا الشارع، هو الذي يرفع الآن شعارات تقول له : ” ارحل” ولافتات تطالب بإسقاط حكومته، وإضرابات تتوالى رغم سيف الاقتطاع من أجور المضربين، ثم ملتحون في بلادنا قلبوا له اليوم ظهر المجن، وتمردوا عليه منذ استضافة الصهيوني في مؤتمر الحزب.. لقد أسر إلينا مناضل من حزبهم، بأن بنكيران ووزراءه قد انتهت حياتهم الحزبية إلى الأبد، وسوف يقوم الحزب بتجديد هياكله، ومن التبرؤ من كل ما حصل من ردة، ومسخ، وتحريف، وإذلال للحزب ولأهله؛ أما المواطنون العاديون، والمغرر بهم في الانتخابات، فهم يرفضون الحديث، ويستغفرون ربهم على ما جنت أيديهم؛ هذه هي حقيقة “البيجيدي” اليوم، يا قوم !
المصدر: النهار المغربية نشر في النهار المغربية

