إلى عهد قريب كانت الصحافة الورقية أو المكتوبة تشكل المصدر الأول للمعلومات والأخبار لدى الموطن المغربي، لكن مع الانتشار الواسع لشبكة الأنترنيت، ظهرت الصحافة الإلكترونية، وفرضت نفسها على المشهد الإعلامي المغربي، بحيث أصبحت منافسا قويا للصحافة الورقية، وهو ما يطرح السؤال: هل ستصبح الصحافة الإلكترونية بديلا عن الصحافة الورقية؟
يلاحظ المتتبع لتطور الصحافة الإلكترونية ببلادنا، أنها أخذت تفرض نفسها بقوة على المشهد الإعلامي رغم حداثتها، وذلك راجع إلى عدة أسبب نجملها في الآتي: 1- تنوع المصادر: إذا كانت الصحافة الورقية تعتمد بشكل أساسي في الوصول إلى المعلومة أو الخبر على طاقم صحفي متخصص، فإن الصحافة الإلكترونية تجاوزت ذلك باعتمادها على مصادر غير مهنية، من خلال استقبال مساهمات هواة غير ممارسين لمهنة الصحافة، وهو ما عزز من حجم ونوعية الأخبار الوافدة على الصحف الإلكترونية، وهذا الأسلوب يعتبر جديدا في المجال الإعلامي، برز بشكل كبير مع الثورات العربية، حيث اعتمدت كثير من القنوات الفضائية الإخبارية في تغطيتها للأحداث على ما تنقله عدسات الهواة. 2- التحيين والتجديد: تتميز الصحافة الإلكترونية براهنية أخبارها، فهي تتجدد على مدار الساعة، عكس الصحافة الورقية التي تجدد أخبارها على مدار 24 ساعة، وهذا ما يجعلها لا تواكب الأحداث والأخبار بشكل سريع وفعال، وهو ما يضعف من أدائها الإعلامي. 3- الصوت والصورة: أهم عنصر الذي يشكل نقطة قوة الصحافة الإلكترونية هو أنها تتوفر على إمكانية نقل الأخبار بالصوت والصورة، وهذا ما يعزز من قدرتها على التأثير والتفاعل مع الأحداث بشكل أكثر نجاعة ومصداقية. 4- المجانية: استفادت الصحافة الإلكترونية من الانتشار الواسع لشبكة الإنترنيت، فأتاحت للباحث عن الأخبار إمكانيات كبيرة للاطلاع والتزود بالأخبار والمعلومات بدون مقابل، بخلاف الصحافة الورقية التي تقدم أخبارها بمقابل مادي. هذا العنصر كان له دور أساسي في دفع المواطن العادي إلى متابعة الأخبار الوطنية والدولية، حيث أصبح كثير من الناس ممن لم يكن لديهم اهتمام بما يجري حولهم من أحداث، يتابعون الصحافة الإلكترونية لمعرفة المستجدات، وبذلك تكون هذه الصحافة قد تمكّنت من الوصول إلى شرائح اجتماعية لم تستطع الصحافة الورقية بلوغ ذلك. قد تكون هناك مميزات أخرى، جعلت الصحافة الإلكترونية تتفوق إعلاميا على الصحافة الورقية، لكن المهم هو الإجابة عن السؤال: ما هو مستقبل الصحافة الورقية في ظل المنافسة القوية للصحافة الإلكترونية؟ في كل الأحوال، لا يمكن استشراف مستقبل الصحافة الورقية، في ظل احتدام المنافسة مع الصحافة الإلكترونية، لكن ذلك يتوقف على مدى قدرة الصحافة الورقية على تطوير ذاتها شكلا ومضمونا، فلو ظلت هذه الأخيرة تشتغل بالأسلوب التقليدي الرتيب، ولم تسْعَ إلى تجديد منهجية تعاطيها مع الأخبار، سيما افتقار معظمها للمهنية، ولَهْثِها خلف الهاجس التجاري والبحث عن القضايا المثيرة والصادمة، لاستقطاب أكبر عدد من القراء/الزبائن. أتحدث هنا بشكل خاص عن الصحافة غير الحزبية، التي تميزت عند ظهورها بالجدية والجودة، وهو ما أكسبها مصداقية واحتراما خاصة وسط شريحة المثقفين، لكن في الفترة الأخيرة أصبحت تتجه نحو إرضاء شرائح واسعة من القراء، وهو أمر في غاية الصعوبة، لأنه كما يقول المثل “رضى الناس غاية لا تدرك”، وأي محاولة لتحقيق ذلك سيجرفها تيار الصحافة الصفراء الفضائحية.
المصدر: فؤاد الفاتحي نشر في لكم

