ينقل التلفزيون خلسة صورة لشاب وقع في يد مليشيات الإخوان المسلمين. أعرف أنهم أجلاف طوروا كثيرا لاهوت القتل، غير أني لم أكن أتصور مثل هذه البشاعة التي كانت تنقل مباشرة. مجموعة كبيرة تحلقت حول شاب فأشبعته ضربا. كان الدم ينزف مثلما تنزف مصر التي صدقت قيام الدولة المدنية. فالإخوان المسلمون لا يمكن أن يستوعبوا كل مصر، والكنيسة لا يمكن أن تستوعب كل مصر. وكذلك باقي المؤسسات التي تعبر عن جزء من مصر أو فئة من الفئات. لكن المواطنة قادرة على جمع كل هذا الشتات. يوم قالت جماعة الإخوان المسلمين إنها تؤمن بالدولة المدنية، وتبعها فتح الله أرسلان الناطق باسم جماعة العدل والإحسان وقال إن الخلافة على منهاج النبوة هي الدولة المدنية. وقال الإخوان ومرشدهم إنه لا رغبة لهم في السيطرة على الثورة وإنهم لن يرشحوا واحدا منهم للرئاسة. قلنا إنه تلبيس إبليس. فقال بعضهم إنه رجم بالغيب ولنجرب هؤلاء. فجربوهم فوجدوهم يحسنون القتل والذبح. صورة الشاب تعبر بوضوح عن الدولة المدنية. ومن حروف المدنية يمكن اشتقاق كل أفعال الندم. وحوش من الإخوان المسلمين اقتادوه إلى مكان ما. لا أعرف الآن ما حصل له لأن كل ما استطاعت الكاميرا تصويره هو نهاية الزقاق. الكاميرا كانت تنقل الصور من النافذة بعد أن اعتدى البرابرة على الإعلاميين وكسروا الكاميرات. لا أعرف إن كان الشاب ضمن لائحة القتلى أو الجرحى من الحالات الحرجة. لم يكن يبدي أية مقاومة، وراءه غلاظ شداد لا يعصون ربهم أمرا، اثنان أمسكا بيده، ثالث يدفعه من الخلف، مجموعة تتناوب على ضرب رأسه، مجموعة أخرى وبعد أن تفسح لها المجال تمنحه ركلات عنيفة. نال وجبة محترمة من الإخوان المسلمين. تساءلت كيف لعنوان كبير أن يصبح عنوانا لكل أفعال المكر والخديعة. الأخوة تفرض الرحمة والرأفة. والإسلام رسالة رحمة ومحبة. فكيف تمت قرصنة كل هذه المعاني وتحويلها إلى حقد مدمر؟ قد يكون الشاب في عداد الشهداء وقاتلوه منتشون بهذه الغزوة ينتظرون دورهم ليتلحقوا بالحور العين. يفجرون كبتهم في الاستهامات وفي إبداع وشرعنة كل أشكال القتل. وقد يكون الآن معطوبا وقد تصاحبه العاهات طوال حياته ليبقى دليلا على أن الصناديق وحدها لا تف بغرض الديمقراطية وقد يستغلها من لا يؤمن بها ويكسرها بعد أن يظفر بالغنيمة. لا يمكن حصر صور الاعتداء في هذا الشاب. كثيرون تم سحلهم “جهادا في سبيل الله”. كم يظلمون الدين بتبني عناوينه. فلو اختاروا عنوان أكبر مبغى في العالم لكان أحسن لهم ولأشبعوا غرائزهم هنا بدل اختصار العالم في حوريات يقتلون من أجلهم البشر. لو كنت فقيها وأمتلك العدة لقلت إن حلق اللحية سنة التزموا بها خالفوا الأوغاد ووحوش الإخوان المسلمين وجحافلهم القادمة في كل مكان. إنهم يسابقون الزمن كي لا تقوم الدولة المدنية التي يعيش فيها الإنسان تحت عنوان المواطنة، لأنهم لا يمكن أن يعيشوا دون هذا العنوان المسروق.
المصدر: النهار المغربية نشر في النهار المغربية

