تصوّرْ سيدي القارئ الكريم، وأنت سيد العارفين؛ تصور مثلا لو كان “الريسوني” عالم ذرة، أو مهندسا في أجهزة الدفع الصاروخي، أو باحثا في الهندسة الوراثية، أو مخططا بارعا من علماء المستقبل، أو، أو.. فهل كانت الدول التي مارس فيها “التدريس والدعوة”، ستسمح له بالعودة إلى المغرب؟ الجواب : كلاّ.. فأشباه الريسوني كانوا يُجْلدون أيام الخلافة الراشدة، وكانوا يُشنَقون في أوربا، بعدما تحطمت سلطة الكنيسة، لأنهم أصل الداء، ومصدر البلاء.. وهم من أثاروا الفتنة أيام عثمان رضي الله عنه، حيث قالوا : “اُقتلوا نعْثَلاً فقد كفر”.. وهم من اتّهم سيدنا عمر رضي الله عنه بخلق البدع في الإسلام، وأقنعوا المغفلين بذلك، فجلد بعضهم، وسجن الآخرين.. وهم الذين لقبوا سيدنا الحسن رضي الله عنه بمذِلّ المسلمين.. وهم من اتهم عمر بن عبد العزيز، بهدم الحجرات النبوية.. وهم الذين بلبلوا عقول الناس أيام علي كرم الله وجهه، فكانوا يبحثون عن كل منقصة، ليجعلوا منها قضية، ثم يصدرون فتاوى، فتمسي مسألة دينية؛ هذا بالضبط ما يفعله الوهابيون المغاربة اليوم.. فبعد مسألة صيام رمضان، وقضية مذهب مالك، طلع علينا أخيرا بقضية “هيبة الدولة”؛ بالإضافة إلى قوله إن موظفي الدولة هم طغاة، فيما الطغاة هم من يطغون باسم الدين، ويقتلون باسم الشريعة، ويضلّون الناس بالفتوى، وبالإسهال الكلامي، بغية الفتنة، وزعزعة الاستقرار، للتشفي في المغاربة الأحرار.. فالطغيان والفتنة، لابد لهما من فكر، ومن داعية، ومن مضلّل؛ والريسوني الذي لا نقول إنه أحد هؤلاء.. ولكنه يريد محو هيبة الدولة، لتبقى له ولأتباعه السلطة والصّولة.. متناسيا أنه لو لم تكن هناك هيبة الدولة، لما استطاع أن يسهِل على راحته، دون خوف أو وجل.. لقد جهل شيخ الوهابية، أنه لا يمثّل كل المغاربة؛ وأن 99 بالمائة في المغرب، يحتاطون من فكره، وعجرفته، وطغيانه؛ لأنهم لا يحتاجون إلى أشباهه في زمن التحديات العلمية، والاقتصادية، والاجتماعية، لأنهم يعرفون أن حضارة السيف قد تنحّت جانبا، وأن الريسوني يجتر فكر القدماء، ولكنه يعيش على فُتات حضارة المحدثين، يركب سياراتهم، وطياراتهم، يتطبب بأدويتهم، ثم يضحك على السذج، بترديد صحائف الأولين.. أليس، بالله عليكم، هذا هو ذروة النفاق، والكذب، وضربا من ضروب البغاء الفكري؟ أليست هذه زندقة مضمرة، عندما يتحدث عن القانون مثلا، وعن الديموقراطية، فيما القانون أصله روماني، والديموقراطية مصدرها وثني، كما يقولون هم أنفسهم بصريح العبارة، أم أنا مخطئ؟ أما عن الموظفين المتعجرفين، والطغاة، فوالله ثم والله إن الطغاة منهم (حسب تجربتي) هم السلفيون، والمنتمون لفكر الريسوني وأمثاله، بدليل أنهم يتذرعون بالصلاة، ويتركون المواطنين في الإدارة ينتظرون، وأما يوم الجمعة، فإنهم يتذرعون كذلك بالصلاة، فيغادرون الإدارة مبكرا، ثم في المساء لا يعودون إطلاقا؛ فحسب العارفين بخبايا الأمور، فإن السلفيين، يدمّرون الدولة من الداخل، بصمت وتقية.. قد يقول قائل إن هذا كلام مبالغ فيه، ليفر من الحقيقة المرعبة، وأنا أقول له، إن يوم الانتخابات الجزئية الأخيرة، كانوا يصيحون أمام مكاتب التصويت الخالية : “صوّتوا على المسلمين؛ صوّتوا على حكومة الإسلام”، وأقسم لله بذلك، وقد سمعهم كل الناس؛ وعلى هذا الأساس، فكل من ليس من حوزتهم، أو شيعتهم، فهو كافر، أو أجنبي، مع العلم، أن في بلادنا أجناسا وأعراقا، لهم ما لنا وعليهم ما علينا؛ ولكن النازية السلفية، لها رأي آخر، ولكي تنال “شهادة النقاء العرقي”، عليك أن تنتمي إليهم، أو تتبنى فكرهم.. فهو لم يستطع الإجابة عن أسئلة طرحناها عليه بخصوص مذاهب يروّج لها.. هذا الريسوني لم يستطع الإجابة عن أسئلة سألناه إياها بخصوص الفيلم المسيء للنبي الكريم.. هذا الريسوني، أبدا، لم يستطع الاستجابة لمناظرة على الهواء، دعا إليها قسٌّ مسيحي.. هذا الريسوني لم يستطع مواجهة شيخ شيعي بلندن، وأتحداه أن يرفع التحدي.. لكن هذا الريسوني، فر إلى عالم السياسة، ليخفي ضعفه، ثم بدأ يتطاول على دولة المغرب، وعرشها المجيد، ومذهبها المالكي، مستغلا انقضاض شيعته على رئاسة الحكومة، وعلى وزارة العدل، ولكن إلى متى؟ سوف يُشفى الريسوني من هذا الإسهال الكلامي، الذي أصابه فجأة؛ وسوف ينفضح أمره قريبا، وأمر فقه الفتنة الذي يفشيه في الأمة؛ وبالجملة سوف يعود طائر الفنيق إلى رماده من جديد.
المصدر: النهار المغربية نشر في النهار المغربية

