يكثر بنكيران من الكلام ومع كثرة الكلام يقع في المحظورات والمحذورات، ويعود بنكيران ليعتذر من كلام قاله وعليه شهود. وما كان بنكيران ليسقط في مثل هذه المطبات لو أنه عرف حدوده ولو أنه خرج من جبة الداعية إلى جبة رجل الدولة. ففي حوار أجرته “النهار المغربية” مع الراحل إدريس البصري بباريس سنة 2004 تحفظ عن الإجابة عن مجموعة من الأسئلة، وردد كثيرا “إن الوطن يفرض علي واجب التحفظ” وعلى رجل الدولة أن يتحفظ في كثير من الأمور. مرة اجتمع عباس الفاسي مع مسؤولي الصحافة وتحدث عن كل شيء، وخلال إجابته عن أسئلة الصحافيين التي همت جميع اهتمامات الشارع المغربي كرر عباس الفاسي لازمة “واجب التحفظ” حوالي سبع مرات. وبما أنه كان أول لقاء يعقده الفاسي مع الصحافة بصفته وزيرا أول واختلفت آراء الصحافيين حول طريقته في الإجابة لكن في النهاية أجمع أغلب الحاضرين على أنهم كانوا أمام رجل دولة. لقد أجاب عباس الفاسي عن جل الأسئلة المطروحة عليه، ولم يكن للأسئلة حدود باعتبار أن الصحافي يدفعه فضوله لطرح جميع الأسئلة، لكن في بعض الحالات كان يرفع ورقة “واجب التحفظ” في الأمور ذات الحساسية التي تتضمن معلومات لا ينبغي الإدلاء بها. وقبل الفاسي تولى الوزارة الأولى إدريس جطو، رجل الاقتصاد والمال والأعمال ورجل السياسة وكان وزيرا للداخلية، ورغم ذلك لم نسجل عليه أنه مرة أخرج الورقة الصفراء أو الحمراء في وجه أحد، أو أنه أدلى بتصريح كشف فيه معلومات تهم مؤسسة أو أشخاصا. وها هو اليوم يعود على رأس المجلس الأعلى للحسابات. وقبلهما عرف المغاربة وزيرا أول اسمه عبد الرحمن اليوسفي، كان وقتها كاتبا أول للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، وضع خبرته النضالية التي عمرها 50 سنة خدمة للوطن دون أن يمن على أحد المشاركة في استقرار البلد الذي كان مهددا بالسكتة القلبية على حد تعبير الملك الراحل الحسن الثاني، ووضع اليوسفي كل بيض المعارضة في سلة الدولة، ولم يكن اليوسفي صاحب صفقات ولكن صاحب قناعات طبقها على أرض الواقع بغض النظر عن النتائج وإن كنا نحسبها إيجابية لأنها مهدت للمغرب الذي نعيشه اليوم. لم يوظف اليوسفي الكاريزما السياسية التي راكمها خلال سنوات المقاومة والاعتقال والمنفى في خدمة المصلحة الحزبية، ولم يجعلها سيفا مصلتا على رقاب المغاربة، ولكن اقتنع بضرورة دخول الاتحاديين الحكومة وتحمل المسؤولية في الشأن العام، ولم يتنصل الاتحاديون من مسؤولياتهم سلبا وإيجابا ولم يعلقوا النتائج السلبية على أحد. رغم كل ما قام به اليوسفي وقدمه خدمة للمغرب والمغاربة لم يقل شيئا من حياته الحكومية ويرفض خلال كل اللقاءات الصحافية عن كواليس هذه المرحلة لأنه ببساطة رجل دولة. إننا نعيش اليوم فهما خاصا لمفهوم واجب التحفظ وهي محاولة لتمييع الحياة السياسية وترتيبها وفق منظور يجعل منها فوضى تستفيد منها التيارات التي لم ترد الاندماج فيما هو مغربي. وبالتالي فإن خرجات بنكيران التي يعتذر عنها ليست بريئة ولكن لها أهداف تخدم مصلحة حركة التوحيد والإصلاح.
المصدر: النهار المغربية نشر في النهار المغربية

