طالما تعالت الأصوات بضرورة أن يتحول تقرير المجلس الأعلى للحسابات من مجرد أداة لتشخيص الاختلالات التي تعرفها إدارة الأموال العامة، إلى سلطة دستورية عليا تضطلع بدورها، سواء في حدود اختصاصاتها وذلك بممارسة وظيفتها في مجال التأديب المتعلق بالميزانية والشؤون المالية، أو في إطار العلاقة التي تربطها بوزارة العدل بالسهر على حماية المال العام عبر إحالة الملفات على القضاء.
توالت التقارير السنوية منذ أن أخذ المجلس الأعلى للحسابات صفة المؤسسة الدستورية العليا سنة 1996، وأصبحت وثيقة أساسية في النقاش السياسي العمومي، بل أصبحت مادة خصبة في التداول الإعلامي، تستقطب الرأي العام بكثافة، وتدمجه في قلب الشأن العام. ولئن كان هذا الدور الذي يقوم به المجلس الأعلى للحسابات يكتسي أهمية كبيرة، إذ يقدم المعطيات الأساسية التي تساعد البرلمان والحكومة على السواء في مراقبة المالية العامة وترشيدها وحمايتها من الفساد وسوء التدبير، ويكشف للرأي العام الصورة الحقيقية التي تدبر بها مالية المؤسسات، فإن الدور الأكبر الذي يتطلع الرأي العام من المجلس الأعلى للحسابات أن يقوم به لم يجد طريقه إلى التنفيذ بالصورة الكاملة التي تجعل المواطن المغربي يستشعر بأن خطوة أخرى ستتلو الكشف عن ملفات الفساد وسوء التدبير، وأنه بعد تسليط الضوء على جوانب الاختلال والقصور والفساد ستتحرك يد العدالة لتلاحق الذين يعبثون بالمال العام، وأن وظيفة المراقبة المالية ليست مفصولة عن وظيفة إحالة الملفات على القضاء ليقول كلمته، ويعيد للمالية العامة حرمتها. في هذا الصدد، يمكن أن نعتبر أن تعهد وزير العدل والحريات مصطفى الرميد بالبث في ملفات المجلس الأعلى للحسابات التي ستعرض على وزارته في ظرف ثلاثة أشهر إلى ستة أشهر، جاء في وقته، وجاء مستجيبا لتطلعات النخب السياسية والمدنية وانتظارات الشعب المغربي التي كانت تتخوف من أن تصير تقارير المجلس الأعلى للحسابات من غير جدوى ما دامت الملفات لا تحال على القضاء، ومادمت التوصيات لا تجد طريقها إلى التنفيذ. اليوم، نحن أمام قرار شجاع، لكنه ليس سهلا.فقطع المسافة بين القول والفعل يحتاج إلى توفير كل الشروط الضرورية لمواكبة المعطيات التي توفرها تقارير المجلس الأعلى للحسابات، وتعبئة الموارد البشرية الكافية للاضطلاع بهذه المهمة. اليوم لا تنقصنا الإرادة السياسية لتحقيق هذا الهدف، كما لا تنقصنا النيات والطموح لتفعيل هذا الورش الديمقراطي، لكن ما هو أهم اليوم؛ هو كيفية استثمار هذه الإرادة السياسية، والانطلاق من النيات والطموح إلى تهيئة الشروط الضرورية التي تضمن البت السريع في كل الملفات التي يعرضها المجلس الأعلى للحسابات على العدالة، أو الملفات التي تقدر وزارة العدل أنها تستلزم تحريك المتابعة القانونية حتى من دون أن يعرضها المجلس الأعلى للحسابات.
المصدر: بلال التليدي نشر في التجديد

