Close Menu
أرشيف الأخبار
    فيسبوك X (Twitter) الانستغرام
    فيسبوك X (Twitter) الانستغرام
    أرشيف الأخبار
    الاتصال بنا
    أرشيف الأخبار
    الرئيسية » المَوتُ في الدَّار البيْضَاء (قصة حب طويلة) البيان رقم 1

    المَوتُ في الدَّار البيْضَاء (قصة حب طويلة) البيان رقم 1

    بواسطة دابا ماروك4 أبريل، 20127 دقائق
    فيسبوك تويتر بينتيريست لينكدإن Tumblr البريد الإلكتروني
    شاركها
    فيسبوك تويتر لينكدإن بينتيريست البريد الإلكتروني

    بيني وبينها حبٌّ قديم جديد، حبٌّ منعش كالندى ساعة الفجر، حبٌّ لازال يتقادم ولازال يتجدد، حبٌّ هو أقرَب إلى تلك العلاقة السّاديمازوشية المتعددة الأبعاد.

    بيننا -أو هكذا يُخيل إلينا معاً- ذلك الرباط اللامرئي من المحبة المتينة والعُدوانية العميقة؛ عدوانية مصطنعة لا حقيقة لها، ولكنها تؤلم وتؤذي بعمق. بيننا التلاقي والتّنافر، الوصال والانفصال، العشق المتبادل والملل المتبادل، بيننا الحرب بمعنى ما والمهادنة بمعنى آخر. بيننا اليأس والأمل، ورغم كل شيءلا شيء يتغير، نظل معاً، نختلف ولا نفترق، نتباعد ونتقارب. يحذث لنا كثيرا أن نختلف، ولكن ناذراً ما نفترق، يبتعد كلانا عن الآخر، ولكن سرعان ما نلتقي دون تأخُّر حينما الواحدُ منا يشتهي ذلك. أعلَمُ أيضا أنها تُكنُّ لي حقدا فريدا من نوعه أجهل تقريبا سببه، وكرَدٍّ عفويّ مقابلَ ذلك أوافيها طواعية بضغينة مشروعة وحنق لا يخرجان على قانون علاقتنا. قصة حبنا أخذٌ ورَدّ،وهي وحدها -في الماضي و الحاضر والمستقبل معاً – تبرِّر كل ما ذكرت، تبرر هذا الحب الذي يظل حبا مهما كان الأمر، يظل حبا نمارس فيه لعبتنا كما يشاء المزاج. هذه العلاقة الطافحة بالمتضادات والمتناقضات تظل تمضي في سبيل زمني يأخذ -حينما يحلو لعشيقتي البيضاء ذلك أو حين أشاءُ أنا- بُعداً تكبر تضاريسه وتتضخم لتصبح أكثر تعبيرا عن نفسها لمَّا نلتقي على الخصوص. ولكي نلتقي تطبِّل عاصمةُ اقتصادِ هذا المغرب القاسي في رأسي وتزمر. تقلب السماء والأرض وتقعدهما حين أكون بعيدا عنها وتدعوني بنَزق طفوليٍّ أحيانا وأحيانا باستجداء ممزوج حنانا وحبا وترحابا أن أعود توّاً، دون أن تكف خلال كل ذلك عن التألم لحرقة الفراق ولوعة الشوق وسكَرات البُعد. وبَعد البُعدِ يكون القرب، نلتقي وقد أتيتها كما لو على أربَعٍ لاهثا لأغوص فيها، لأعانقها، لأكُونَها وتُصْبِحَني… ثم إنها لا تفتأ أن تؤلمني متلذذةكزوجة طاعنة في السن يحلو لها ممارسة الثأر وكأنني خنتها دون علمي. يحل اللقاء وتستقبلني في البداية الدار البيضاء بذراعين مشرعتين، تأخذني في حضنها، تدعوني إلى عُلبها الليلية وحاناتها النهارية مانِحةً إياي ألف كأس ودَنّ، ثم تلقفني بين الفينة والأخرى ثديها الأيسروترضعني حليبها الذي له طعم جعتي المفضلة ال”مايْدْ إنْ موروكُو”. أمتص رحيقها حتى الثمالة قبل أن أسافر في جسدها الذي له نكهة المغرب العميق. أدخلها وتدخلني خلال ليالٍ بيضاء طويلة كالأبد، أسكنها عميقاً حتى… حتى أُصبِحها، حتى نصبح واحدا. ولكن ما أن تنتهي طقوس الاحتفال حتى توجعني مدينتي بحبها وشكوكها وتوهماتها ونزقها وما إلى ذلك. شيءٌ حين نلتقي، وأمر آخر حين تكون المسافات فاصلةً بيننا وظروفُ العيش عائقا يفرقنا. هذه الظروف بالخصوص يبدو لي أن الدار البيضاء لم تستسغها بما فيه الكفاية، فظلت تخالني انسحبتُ منها في بداية الثمانينات عن طواعية وانسللتُ إلى بعيد خفية عنها دون إذنٍ منها ميمِّما شطر مدينة المنفى والاغتراب. لعل لها إحساس المنبوذة التي -بعد أن أحببنا بعضنا ولا نزال- غادرتُها فمضت تتقلب بين الحب والكراهية. من يدري؟ ربما كانت على حق، هي وحدها تعلم. ليست هذه المدينة بمسقط رأسي، لا بل عرفتها عن طريق الصدفة. رأيت رأسي يسقط في مدن مختلفة بجوارها وبعيدا عنها، رأيته يتساقط جنوبا وشمالا، شرقا وغرباً، إلى أن استقر بي القرار منذ أمد وبعد الموت حبا في الدار البيضاء بالمدينة الشقراء “ليون” التي أوتني وذثرتني ببردها وغطَّتْني بصقيعها طوراً وطوراً بقيْظها الصيفي الذي لم يكثم أنفاسي بعد. لست وحدي حبيبها. أعرف ذلك ولا أنكر منه شيئا. للدار البيضاء أحبة هم أيضا أحبتي. حينما يضيق بي المكان أيمِّم شطرها طلباً للدفء والشمس الناذرة. أعود إليها منجرفا وكأنما أمواجٌ عاتية تدفعني نحوها. أعود إلى الوكر الأول لأجدني في أحضان الدار البيضاء وما أدراك ما أحضان الدار البيضاء . آتيها طوعا ومرغما في نفس الآن. بعد اغتراب له عمر الأبد وطعم الكَمد أحسبمغناطيسها يجذبني بعد أن كان بيننا البيْن وبعد أنْ، رغم البعد، ظللنا نتواصل ذلك التواصل الذي لا يحسه إلا من عشق وبات ردحا من الزمن في منأىً عمن يحب. آتيها وقد كانت بيننا لقاءات شتى لامرئية ولا ملموسة. عن بعد يحدث أن يكون “اللقاء” هكذا: آلو!… أمي!… كيف الحال يا الحاجّة؟ هاي هاي هاي! مالك غبرت؟ لا شيء يا أمي، كل شيء هنا بخير، وأنتم؟ كيف هي الأحوال؟ وا… وليدي أنت عارف… أصحابك هاجروا… الحيّ عمر… الداربيضة ولات كحلة… قل لي… نعم يا الحاجة. كيف حالك مع البرد؟ أنا أحن إلى حرارة البلاد يا أمي. بي شوق إلى صهد الدار البيضاء و… تضحك أمي بحنان وتسرد لي تفاصيل المدينة وموجز الأحداث. في نبرة صوتها الضاحط أسمع تجاعيدها التي تتراكم يوما بعد يوم، تجاعيد أكتشف تزايدها كل سنة حينما أعود. لست أدري لماذا أجرع تجاعيد أمي و هي تحتضنني وتقبلني لما نلتقي بعد عامٍ في رحلة صيف أو شتاء… ولست أدري لماذا خلال تلك اللحظة وما بعدها تجتاحني تلك الأسئلة الحارقة من مثل: الزمن؟ الوقت؟ العُمر؟… وتطن في رأسي تعابير طالما سمعتها وأسمعها هناك في مدينتي التي لها أبعاد الوطن: “الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك”… “الوقت من ذهب”… هذا ما تعلمناه في المدرسة. أما ما يقوله الواقع فهو: “لا زربة على صلاح”… “ما عنديش الوقت”… “اللي زربو ماتو”… “سير حتى الغد”… “وا خويا مع الوقت”… الوقت… وقت… وق… وق… واق… واق… واق… وااااااااا….. أي وقت؟ وقتي أم وقتُهم؟ وقتي أم وقت الدار البيضاء؟ اقطع ذاك الزبل يا وليدي الله يهديك! آش من زبل يا الحاجّة؟ الشراب يا وليدي. والله أنا لا أشرب يا أمي إلا حينما أعود إلى الدار البيضاء و…أنتِ تعرفين الوقت و… الزمان…و… و… و… و… و… و… وخلال مثل هذه اللقاءات عن طريق أمي أو بواسطة ما تبقى من الأصدقاء حين أصادفهم هاتفيا أشفي غليلي من حرقة البعد عن مدينتي وأبثها حنيني وما يعتريني صوبها من شوق لا يهدأ لهيبه إلا حينما تضمني بالقوة والفعل في الأحضان وترضعني مجددا من حليبها الذي يبعث النفَس الجديد والتجدد. إنها، وأنا هنا، لا تأتيني، لا تزورني فقط، بل تنتابني، ثم تتملّكُني رويداً رويداً، وتكبُر فيَّ بالتدريج لتجتاحني كمحيطها الأطلسي المعربد الصاخب. الموت حبّاً في الدار البيضاء حياةٌ جديدة، حياةٌ أخرى. حبها حتى الموت حياة. شاي الله يا البويضة! وااااااااااا البويضة فين مواليك آه؟ وااا كْوَيزة يا كْوَيزة هااااه! طَنْ طَرنْ زْطَقْ أطَقْ… طَنْ طَرنْ زْطَقْ أطَقْ… تحين ساعة العودة إليها إذاً وتبدأ هجرة من نوع آخر، هجرة نحو الأعماق، هجرة نحو الذات، نحو ذاتي البيضاء ، نحو داري البيضاء . وأنا في طريقي إليها برّاً أو بحراً ثارة وثارة أخرى جوّاً أو عبر الخيال تبدو لي من بعيد كامرأة لها ألف وجه، امرأة يحلو لها أن تلعب دورالحاضنة التي تفيض حنانا، تدُسُّك في حِجرها بمحبة ناذرة و ترضعك حليب ثديها المتهدل الذي يتحول إلى شتى الأشكال تبعا للظروف والأحوال. وقد تتحول إلى غانية في مرقص ليلي تُلوِّح إليك بنهديها الشبيهين هذه المرة بوجه أرنب مشاكس يحلو له الاستفزاز، وهما يرقصان ويهتزان ويسحان إغراءاً وشبقا. ما أن تمضي سويعات على لقاء الأحبة في البيت ومعانقتهم حتى تتملكني الرغبة في الخروج كي أجوب الفضاء الفسيح. أسلُك أزقة الحي الشعبي الذي تكدس سكانه عبر السنين حتى أصبح يبعث على الاختناق والغثيان. محملا بالذكريات أسير وأنا أبحث عن وجوه أليفة عرفتها، ولكنني لا أرى سوى وجوه شاخت وأصبحتْ مُمتَصّة صدئة بأسنان لفظت أنفاسها الأخيرة أو تكاد. أرى أطفالا تركتُ بعضهم رُضَّعا كبُروا وأصبحت لهم بنيات لاعبي الكرة المستطيلة بأقدام تشبه في حجمها قبرَ طفل مات في سن الرضاعة. آخرون تفرّخوا في غيابي وازداد بعضهم وهو يحكم قبضته على حبّة منع الحمل التي كانت ستجعل من وجوده عدَماً. أناس ذوو سحنات بدوية استوطنوا محيط المدينة ، هربوا من قحط البادية وصهد الجفاف بكل معانيه. لا أثر للأصدقاء القدامى إلا قليلا. كثيرون هاجروا، تبددوا. غيروا المكان فارين بجلدهم نحو الخارج. ها ميركان، ها فرنسا ، ها الطاليان، ها أرض الله الواسعة… أحس بالوحدة، بالقنوط وبالاغتراب وأنا في حضن وطني الدار البيضاء ، وما أشده وأقساه من اغتراب. كالغريب أكمل السير في أحشاء الحيِّ، أعانق بعينيَّ الناس والأمكنة. و في كل الأمكنة التي تشبهني أرى الدار البيضاء تُرضع أطفالها جوعاً وجَعاً فقراً وبطالة… لذلك منهم من هاجر، ومنهم من قضى نحبه، ومنهم من أصابه مسٌّ من الجنون، ومنهم من تحول إلى متسكع أو لوطيّ يتصيد السائحين شيباً وشبابا، ومنهم من لازال ينتظر… يتملكني الألم ويوجعني ذوو القربى… و… وتجتاحني الرغبة فجأة في العودة إلى “ليون”، أحن إليها. تكتسحني رغبة عارمة في العودة إليها هربا من سادية بعضٍ من هؤلاء القوم، سادية أحس بها تستهلكني بلذة مَرَضية. لا أستطيع المقاومة كثيرا. أهرب، أنجو بجلدي. ما أن تطأ قدماي أرضية مطار المدينة الشقراء حتى ألتفت نحو الجنوب، فأرى الدار البيضاء تلَوِّح لي بيمناها وعيناها مبللتان بالدموع: أحبك ياااااا المصيطِفى! أنا أيضا أحبك يااااا البْوَيضة. سامحيني…. سأعود… سامحيني… سأ… سَ… سُ… سِ… سٌ… أغمض عينيَّ بقوة حتى لا يهطل منهما شيءٌ يشبه الدمع.

    المصدر: مصطفى عبا نشر في طنجة الأدبية

    شارك هذا الموضوع:

    • شارك على فيس بوك (فتح في نافذة جديدة) فيس بوك
    • المشاركة على X (فتح في نافذة جديدة) X
    • المشاركة على WhatsApp (فتح في نافذة جديدة) WhatsApp
    • اطبع (فتح في نافذة جديدة) طباعة
    • المشاركة على LinkedIn (فتح في نافذة جديدة) LinkedIn
    • إرسال رابط بالبريد الإلكتروني إلى صديق (فتح في نافذة جديدة) البريد الإلكتروني

    مقالات ذات صلة

    أخبار
    شاركها. فيسبوك تويتر بينتيريست لينكدإن Tumblr البريد الإلكتروني
    دابا ماروك
    • موقع الويب

    المقالات ذات الصلة

    قانون المالية 2026.. الحكومة تقبل 72 تعديلا بمجلس المستشارين

    4 ديسمبر، 2025

    هذا موعد الافتتاح الرسمي لحديقة عين السبع بالدار البيضاء

    4 ديسمبر، 2025

    خط جوي جديد ومباشر يربط الدار البيضاء بلوس أنجلوس

    4 ديسمبر، 2025
    اترك تعليقاً إلغاء الرد

    أمن بيوكرى يوقف مراهقًا للاشتباه في اعتداءه على طفل بشكل مشين

    20 أكتوبر، 2026

    إحراق بلديات فرنسا: صحيفة جزائرية تعلن أن أعمال التخريب هي “انتقام”

    20 أكتوبر، 2026

    سدود المغرب: تخزين أكثر من 49 مليون متر مكعب من المياه في يوم واحد!

    20 أكتوبر، 2026

    فرنسا تتصدى للشغب بإعلان حظر تجول محلي.. استنفار أمني وقلق من انتشار العدوى لأوروبا

    20 أكتوبر، 2026

    أصوات صوفية مغربية وإسبانية تزين مهرجان فاس للثقافة الروحية

    20 أكتوبر، 2026

    انتعاش النقل الجوي في المغرب: اهتمام أوروبي ملحوظ ونمو استثنائي في الأسواق الأمريكية

    20 أكتوبر، 2026

    كليبر ميندونسا فيليو: إلهام ورشة الأطلس التاسعة بمراكش

    20 أكتوبر، 2026

    صابرين تُعبّر عن محبتها للمغرب بعد تكريمها في وجدة

    20 أكتوبر، 2026

    أسعار المحروقات في المغرب.. دعوات للشفافية حول تكلفة الاستيراد وهوامش الربح الحقيقية

    20 أكتوبر، 2026

    كتاب فريد يكشف عن آراء المفكر عبد الله العروي حول قضية الصحراء المغربية

    20 أكتوبر، 2026

    تدفق مائي قياسي يعيد تألق شلالات «أوزود» ويعزز الحركة السياحية في أزيلال

    20 أكتوبر، 2026

    أحوال الطقس يوم الثلاثاء: توقعات بأمطار غزيرة في الأقاليم الصحراوية وغرب البلاد

    20 أكتوبر، 2026

    المنصوري: تعزيز دولة الحق والقانون والمؤسسات ضروري لاستعادة الثقة في الخدمات العمومية بالمغرب

    20 أكتوبر، 2026

    إيقاف مشاغبين اعتدوا على القنصلية المغربية في فرنسا

    20 أكتوبر، 2026

    اكتشفوا سرّ “البراق” في القنيطرة: تجربة سفر جديدة تنقلكم بسرعة بينها المدن المغربية!

    20 أكتوبر، 2026

    المجلس الجماعي يُعلن عن استمرار برنامج دعم السكن ويتعهد بوضع استراتيجية شاملة للتعمير في مغرب قوي

    20 أكتوبر، 2026

    رئاسة النيابة العامة تُركز على الذكاء الاصطناعي وحقوق الإنسان في المغرب

    20 أكتوبر، 2026

    الحكومة المغربية تهدف لتأهيل 100 ألف شاب سنويًا ومنحهم فرصة تجربة مهنية أولى

    20 أكتوبر، 2026

    12 وزيرًا سيفقدون مقاعدهم في مجلس النواب المغربي

    20 أكتوبر، 2026

    أكديطال الناظور تدعوكم للمشاركة في مسيرة تثقيفية على كورنيش المدينة لمكافحة سرطان الثدي

    20 أكتوبر، 2026
    فيسبوك X (Twitter) الانستغرام بينتيريست
    © 2026 داباماروك .

    اكتب كلمة البحث ثم اضغط على زر Enter