تظهر نتائج الانتخابات التشريعية، التي بوأت حزب العدالة والتنمية الرتبة الأولى ومنحت أمينه العام مقعد رئيس الحكومة، حقيقتين مختلفتين، واحدة ظاهرة والأخرى باطنة، الأولى، تتجسد في حصول الحزب الإسلامي على 107 مقاعد بمجلس النواب، والثانية، ثاوية في قلب عدد الأصوات التي حصل عليها والتي لم تتعد مليونا و80 ألف صوت، وبين الحقيقتين هناك واقع اسمه نشوة العدالة والتنمية الزائدة حد الظهور أمام الفرقاء السياسيين بمظهر “الغول”. أكد نواب الحزب وأزلامهم أثناء انتخاب هياكل مجلس النواب أنهم يعانون من مرض خطير يصيب الأشخاص كما التنظيمات، مرض الشعور الزائد بالذات والإحساس بصغر الآخرين، مع أن المطلوب أن ينال كل ذي حق حقه، وما جاء الدستور إلا ليضمن للجميع حقوقهم بمن فيهم المعارضة التي منحها موقعا متقدما في التشريع والمراقبة، وبقوة الدستور، الذي هو أرقى تعبير قانوني فإنها تترأس اللجنة المكلفة بالتشريع بمجلس النواب. فلما قلنا إن هناك حقيقة أخرى وراء هذا الفوز الذي ناله العدالة والتنمية أردنا أن نقول إن تمثيل الحزب للشعب هو نسبي وأن كل التمثيليات هي تمثيلية للشعب بشكل نسبي أي تمثل جزءا منه، لأن عدد النواب لا يعبر بالضرورة عن حقيقة شعبية حزب من الأحزاب. فحزب العدالة والتنمية حصل في المجموع على مليون و80 ألف صوت منحته 107 من مقاعد مجلس النواب ورئاسة الحكومة، هناك حزب حصل على ما يقارب نصف مليون صوت منحته مقعدا واحدا في المجلس، مثل حزب جبهة القوى الديمقراطية، وجاء الحزب العمالي في المرتبة التاسعة من حيث الأصوات، لكن بأربعة مقاعد فقط. هذه الأرقام تحيل على خلاصة مفادها، أن الرتبة الأولى لا تعني بحال من الأحوال أن الحزب يمثل الشعب وكافة شرائحه، ولكن الشعب له تعبيرات أخرى، منها ما تمثله أحزاب أخرى ومنه ما يكتفي بالنشاط المدني دون السياسي ومنها غير المبالي ومنها من له اهتمامات أخرى غير اهتمامات الأحزاب. وبالنتيجة، فإن حصول حزب العدالة والتنمية على الرتبة تعني أنه حصل على تمثيلية (ما) وليس كل التمثيلية، ومادام الدستور يمنحه رئاسة الحكومة بغض النظر عن عدد الأصوات التي حصل عليها، فإن من واجبه أن يراعي بالرغم عنه التعبيرات المجتمعية الأخرى وخصوصا التي تم تمثيلها في مجلس النواب ولو بصوت واحد، فهذا الصوت مهم مادام يمثل حزبا منحه الناخبون عددا من الأصوات لا يستهان بها وتفوق في عددها تلك الأصوات التي ترتفع باسم الشعب. إن الشرعية الشعبية أكثر بكثير من شرعية الانتخابات، التي هي أداة من أدوات البناء الديمقراطي الذي له أدوات أخرى تتكامل مع اللعبة السياسية.
المصدر: النهار المغربية نشر في النهار المغربية

