الانتخابات كاشفة، وهي وحدها القادرة على كشف الرزين من المتهور من زعماء الأحزاب السياسية، لأن سراب الكرسي يعمي، والسياسي المحنك يعلم جيدا أن السياسة قواعد ومعادلات تحتاج إلى دراية ودربة من أجل حلها، أما ممارسة السياسة بطريقة إطلاق حبلها على غاربها فإنها قاتلة وتسقط في المحذور والمحظور. واللعبة السياسية كلها أوراق ينبغي إخراجها في وقتها لا حرقها من غير أوان، ويتشابه بعض زعماء الأحزاب السياسية في مجموعة من الخصال، الحميد منها والسيء. عندما رافق نبيل بنعبد الله الأمين لحزب التقدم والاشتراكية، عبد الإله بنكيران الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، إلى مقر حزبه بل تطوع ليحمله بسيارته، وتحولت هذه الرحلة القصيرة من مقر وزارة الداخلية إلى مقر البيجيدي بحي الليمون إلى غزل سياسي فاحش بين حزب أصولي وآخر تقدمي، حتى اجتمعت لحية محمد بن عبد الوهاب وطرطقة سيوفه في جزيرة العرب بلحية ماركس. فتبا لغزل ركيزته مدح العوراء العرجاء الشمطاء. لكن الشيء الذي لم ينتبه له أحدا هو أن الرجلين يشتركان في مجموعة من السمات، أولها المراوغة من أصل الوصول إلى مركز القيادة، وثانيها أنهما ممن يفهمان السياسة بقراءة كتابها من الخلف، وثالثها أنهما يتميزان بالخفة التي تشبه خفة الديك وهي غير مطلوبة في رجل السياسة. زعيمان واحد منهما يحلم برئاسة الحكومة والآخر يقنع بالعودة إلى وزارة يشتركان في سرعة التعبير عن الغضب، وكلاهما ينزع الوزرة ويستعد للمواجهة واللكمات. الله يرحمك يا علي يعتة ويطول عمرك يا مولاي إسماعيل العلوي. هذه الأيام انكشف نبيل بنعبد الله وأثبت أنه ليس أهلا لوراثة حزب علي يعتة والهادي مسواك وعزيز بلال، حزب أسسه فطاحلة وبناه دهاة وورثه شخص يحسبها لوحده كما يقول المغاربة، ولا يعرف مصلحة حزبه قبل مصلحة وطنه، فينام على شأن ويصبح على شأن. ويظن “البعض أن العمل السياسي عبارة عن “كلام بكلام”، وأن من يمارسونه ربما يخفون خلف ستار كلماتهم وشعاراتهم أجندات شخصية فحسب، أو مصالح خاصة يسعون لتحقيقها، أو أنهم نخبة اجتماعية تهوى اللهو بالمصطلحات الغامضة وتحب استعراضها. ولا شك أن مثل هؤلاء موجودون بالطبع، وكثيراً ما تبرز حالات انحراف أو فساد بين السياسيين أو المسيسين العاملين في الشأن السياسي تؤكد مثل تلك القناعات عند من لا يرون جدوى الانخراط فيه، ولذلك لا يفهمون لمَ قد يقضي غيرهم الساعات الطوال مثلاً في مناقشة أو متابعة الشؤون السياسية، ناهيك عن جعل الالتزام السياسي أولوية في حياته، ولمَ قد يعطي زيد أو عمرو الشأن السياسي أهمية أكبر بكثير من سائر شؤونه الفردية والشخصية” عندما تقرأ مثل هذا الكلام لمفكر سياسي تقول إن الجزء الأول منه حق وينطبق على صاحبنا والجزء الثاني حق أيضا حتى لا نضع البيض كله في سلة واحدة. نموذج متهور وغرير وسريع الغضب كل ما يمكن أن يعمله هو أن يقدم مبررات العزوف السياسي. رحمة بوطن يحتاج إلى كل أبنائه.
المصدر: النهار المغربية نشر في النهار المغربية

