كيف يمكن فهم الخروج الكثيف للزاوية البودشيشية ودعوتها للتصويت بنعم على الدستور؟ وكذلك درقاوة؟ لقد عاشت الزوايا في المغرب فترات طويلة مكتفية بتأطير المواطنين من أتباعها وتلقينهم تعاليم الدين الإسلامي وأساليب السلوك إلى الله، ومع هذا الاتجاه ظنها البعض أن عينها غافلة عما يجري ويدور من أحداث، واتهمها البعض بالاتكالية وبالركون، لكن ليس في الموضوع انزواء ما دامت تركز على مكارم الأخلاق التي صفتها نبوية حيث يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم “إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق”. لكن لماذا خرجت في هذا الوقت بالذات؟ لماذا انتفضت بعد تسع استشارات شعبية حول الدستور؟ ألم يكن لها موقف من السياسة؟ لكن الذي يحاول البعض تجاهله ،هو أن الزوايا ظلت عبر تاريخ المغرب تمثل أداة من أدوات الدفاع الشعبي، وكانت وما زالت حضنا للعديد من المواطنين، وهم بضعة ملايين وليسوا بضعة آلاف، وشكلت الزوايا ملاذا للمظلومين عبر التاريخ وتبنت قضاياهم، وكان يلجأ إليها الناس عند الحاجة. ولم تتأثر الزوايا، التي ليست تنظيما مدنيا لأنها تعتمد الولاء للشيخ المربي، بظهور التنظيمات المدنية بل إنها استطاعت أن تخترق كل التنظيمات ،وكل فئات المجتمع حتى أولئك الذين يحرم عليهم الانتماء السياسي، وكثير من السياسيين هم مريدو زوايا. إن الزوايا بخروجها أرادت أن تبعث رسالة إلى من يهمهم الأمر. الرسالة الأولى، مفادها أن الزوايا ليست نائمة ولكنها يقظة ومتيقظة ولن تسمح بالمساس بهوية المغرب الدينية، وأنها تراقب عمل السياسيين لكن وظيفتها تجعلها بعيدة عن العمل السياسي، لكن تدخل غماره كلما دعا داعي لذلك، وكلما كانت الظروف تفرض تدخلها والتعبير عن وجهة نظرها. والثانية أنها لم تخرج في الاستشارات السابقة ،لأن موضوع الهوية المغربية لم يكن مطروحا، واليوم بعد أن ظهرت للوجود تيارات تحاول المنازعة في الشرعية الدينية خرجت لتقول إنها أولى الناس بالحديث عن الشرعية فهما وتاريخا، ولا يمكن لأحد أن يزايد على الزوايا في فهمها للدين وللوسطية والاعتدال. والثالثة أن التيارات الدينية التي حشرت أنفها في مفهوم المرجعية الإسلامية قبولا ورفضا ليست المخولة للحديث بإسم هذه المرجعية ما دامت الزوايا مجتمعة تضم بين جنباتها كذا مليون مواطن مغربي، وأن المرجعية الإسلامية ليس حكرا على أحد، باعتبار أن الزوايا في المغرب من أقدم وأعرق الحركات الإسلامية حتى قبل أن يظهر الإسلام السياسي في المشرق ويتم استيراده بالمغرب. لقد وجهت الزوايا رسائل عديدة فيها تبشير المغاربة بإسلام المغاربة وتحذير من مزايدات التيارات المتطرفة والسلفيات بمختلف أنواعها.
المصدر: النهار المغربية نشر في النهار المغربية

