من الصعب الاستهانة بالنفي الصادر عن تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي لمسؤوليته عن تفجير مراكش ، والذي يعد سابقة في تاريخ هذا التنظيم، الذي لن يتردد في تحمل مسؤوليته بل واستغلال التفجير لتعزيز موقعه في المنطقة، لا سيما وأن القاعدة تفتقر لسجل عمليات نوعية في المغرب وفشلت منذ تشكلها قبل أزيد من أربع سنوات في اختراق المجال المغربي، لكن العكس هو ما حصل، إذ نفى التنظيم مسؤوليته.
ثمة رسائل كامنة وراء هذا التطور، أولاها أن مسار الإصلاح السياسي الذي انخرط فيه المغرب كان له الأثر نفسه للتحولات التي تشهدها دول عربية أخرى كمصر واليمن وليبيا والتي دفعت تيارات القاعدة في المنطقة إلى الكمون والنأي عن القيام بكل ما من شأنه التشويش على مسار الإصلاح، وتقديم المبرر للأنظمة لاعتماد سياسات القمع الشامل في مواجهة مطالب الإصلاح، ولهذا كان مفاجئا أن يسارع تنظيم القاعدة إل النفي رغم أن لجوءه إلى السكوت كان هو الخيار الوارد، لكن حصل العكس بفعل من وضعية الكمون. وتعد هذه الوضعية تعبيرا عن حالة انحسار عام في جاذبية أطروحة التغيير العنيف التي تمثلها القاعدة وتقدمها كبديل في مواجهة باقي أطروحات الإصلاح القائمة على المشاركة والتدافع المدني والسلمي، إلا أن خطاب المراجعات الفكرية وآخرها مراجعات الجماعة الليبية المقاتلة وما قدمته من نقذ عميق للأطروحات ”السلفية الجهادية” ثم الثورات الديموقراطية العربية وما أكدت عليه فعالية العمل المدني والسلمي، كان لهما الدور الحاسم في تأسيس دورة تاريخية جديدة بالنسبة للفئات الشابة المتدينة لمصلحة الانخراط في الفعل الجماهيري والسلمي والمنفتح على مختلف الفئات والتيارات الاجتماعية والثقافية، ولعل المتابع للحراك الفكري والسياسي للأوساط السلفية سواء داخل السجون أو خارجها وعلى اختلاف توجهاتها وزعاماتها يلحظ هذا التطور بوضوح. ثاني هذه الرسائل، يقدمها الإنجاز الأمني المغربي بكشف المشتبه في تنفيذهم لتفجير مراكش وعدم التورط في الاتهام المباشر لتنظيم محددة واتخاذ الاحتياطات اللازمة لعدم السقوط في اتهامات تضعف من مصداقية الخطاب الأمني، وهو ما يعني أن التحدي الإرهابي في المغرب لم يعد تحديا مرتبطا بتنظيمات ومجموعات بقدر ما انتقل إلى حالات فردية غير متحكم فيها من أي جهة، هذا في الوقت الذي انحسر فيه خطر التنظيمات المهيكلة، ولا سيما في ظل انتشار الإنترنت وسهولة انتقال التأثيرات الفكرية والدعائية عبره، مما يضع المغرب أمام تحد المراجعة العميقة لاستراتيجيته في مواجهة الإرهاب، وعدم الاقتصار على البعد الأمني الاستباقي والذي مهما بلغت فعاليته فإن قدرته على محاصرة جذور الخطر وإن كان هامشيا تبقى محدودة، مما يقتضي إعادة النظر في سياسة التأطير الديني بما يمكن من مواجهة جذور التطرف، واعتماد سياسة تصالحية مع المعتقلين ضحايا قانون الإرهاب ومواصلة السياسة التي انطلقت بإفراج 14 أبريل الماضي باعتبار ذلك مدخلا لتصفية إرث سياسات ما بعد 16 ماي 2003 والتوظيف الذي جرى لها في التعبئة النفسية من قبل المجموعات المتأثرة بفكر القاعدة في المنطقة المغاربية. أما ثالث الرسائل فيرتبط بمسؤولية التيارات الحركية والسلفية الدعوية في استباق سقوط الشباب ضحية فكر التفجير والتطرف، وما يتطلبه ذلك من مضاعفة ومراجعة أساليب اشتغالها إزاء الشباب، فحادث مراكش كان من الممكن أن يمثل انتكاسة لمسار إصلاحي، كما يعكس حجم الاختراق الذي حققه فكر التفجير، مما يقتضي مسؤولية أكبر في المرحلة القادمة لمواجهة تحديات ذلك.
المصدر: مصطفى الخلفي نشر في التجديد

