كشف الأكاديمي المغربي الدكتور علي الإدريسي في اتصال مع “هسبريس” بأنه كان يود التطرق إلى ما أسماه ب “الحراك” الذي أعاد للشعوب العربية دورها في صناعة التاريخ، بعد أن ضلوا، وظلوا مدة طويلة، منذ الاستقلالات الوطنية، أو الاحتقلالات والانتهابات عوضا عن الانتخابات، يصنعها التاريخ. وجوابا عن استفسارنا عما وقع في الحسيمة خلال اليومين الماضيين، وهو المؤرخ المختص في تاريخ المنطقة، قال بأن ما وقع في الحسيمة صبيحة 20 فبراير 2011، حسب ما أفاده به كثير من الشهود، لم يكن يختلف عما جرى في أغلب المدن المغربية. حيث عبر المتظاهرون عن مطالبهم المشروعة في جو من الاحترام لقانون التظاهر والاحتجاج من قبل المتظاهرين وقوات الأمن على حد سواء. لكن بعد الانتهاء من التظاهر عند الزوال حدث أمر آخر في المساء، حين وصل مدينة الحسيمة أمواج بشرية قادمة من النواحي القريبة والبعيدة عن عاصمة الإقليم. هناك من قطع 45 كلم زرافات وجماعات دون أي تأطير وفي غياب تام لقوات الأمنية. فدخلت الجموع من المراهقين غير المنظمين وغير المؤطرين الحسيمة ليحولوها في لحظات إلى مدينة خربة، بدءا من البلدية التي أحرقت، وتم إتلاف وثائق وملفات المواطنين، وكذلك فعلوا بمبنى الباشوية وفندق المغرب الجديد وثلاث وكالات بنكية وإحراق بعض سيارات الشرطة والمحلات التجارية. ولم تظهر قوات الأمن حسب شهود عيان إلا أمام بنك المغرب ومبنى ولاية الأمن والسؤال الكبير، يقول الدكتور الادريسي، لا يتعلق بالانتقام من التهميش الذي يطال المنطقة ، أو كرد فعل من اللوبي الاستعماري كما جاء في صيغة سؤالنا له، بل يتعلق بتساؤل آخر هو، هل غياب المسؤولين الأمنيين عن المدينة وتركها عرضة لنزوات أولئك الشباب غير المؤطر وفي جو من الفراغ الأمني الكامل. ويتساءل الدكتور الادريسي، هل هو سلوك قصدي من المسؤولين المحليين للانتقام مما أسمته الصحافة في الصيف الماضي ” الغضبة الملكية” أو “زلزال الحسيمة “؟ وهل ترك الشباب القادم من مناطق يصعب تأطيرها لأسباب يزعم أن المسؤولين المحليين يعرفونها جيدا قبل غيرهم كانت وراء ما حدث يوم 20 في الحسيمة ويوم 21 في إيمزورن، بمعنى آخر هل انتصرت عقلية تصفية الحسابات مع الساكنة، الذين لجؤوا إلى جلالة الملك لإبلاغه شكاويهم وظلم رؤسائهم، على مصلحة مدينة الحسيمة وإقليمها، وساكنتهما بصفة خاصة؟ وهل ما حدث في الحسيمة كان محاولة من قبل أولئك الذين تركوها تحت نزوات بعض الشباب للعودة إلى منهج تجار تخويف وترويع الملك من الريفيين كما حدث منذ السنوات الأولى للاستقلال، الذي حولوه إلى احتلال وطني. وأقنعوا الملك الحسن الثاني بأن الريفيين عصاة غلاظ يعملون على الانفصال وعلى قتله، وأنهم يهددون الوحدة الوطنية، إلى غير ذلك من الترهات. ومن ثمة كان جزاء تلك المنطقة، التي شرّفت صورة المغرب حينما انبطح الكثير أمام قوات الاحتلال الأجنبية، التهميش والإقصاء وتوصيفهم بأبشع النعوت. ولم يكتفوا بذلك، بل راحوا يصفون ساكنة الريف بأنهم “اولاد صبنيول”.
وذهب الدكتور الإدريسي إلى أن الذين كانوا يتمعشون من هذه التجارة الكريهة ويغتنون على حساب الريف بالتزلف لملك البلاد باختلاق التهم المختلفة ضد الريفيين لا يقبلون اليوم بترميم هذه العلاقة بين جلالة الملك محمد السادس وبين المنطقة. وليس خفيا أن تقارير كثيرة لا تزال تحاول إفساد العلاقة بين عاهل البلاد والريف. وأضاف قائلا” إنني وأنتهز هذه المناسبة لأحيي موقف الدكتور محمد بودرا الذي قدم استقالته من رئاسة الجهة احتجاجا على انتقام بعض المسؤولين من الحسيمة ، لا لشيء إلا أن سكانها وسكان إقليمها يحملون كل الود لصاحب الجلالة، على الرغم من أن كثيرا من التقارير التي ترسل إلى الرباط ومن الرباط أيضا لا يختلف مضمونها عما كان يكتب منذ أزيد من خمسين سنة”
المصدر: نورالدين لشهب هيسبريس نشر في أسيف

