إن تقدم مراكز الفكر الاستراتيجي كفيل بتقدم الفكر والممارسة الفعلية للديموقراطية الخلاقة التي تنبني على تعبئة القدرات الوطنية المتاحة وإشراكها في التنمية الشاملة. ولبلوغ هذه الأهداف ينبغي توفر العناصر الآتية :
أولا: صياغة رؤيا واضحة للأهمية الإستراتيجية لمراكز الفكر بصفتها آليات جديدة في خدمة كل الفاعلين من حكومة ومقاولات ومجتمع مدني في صناعة القرار ومتابعة السياسات العامة، باعتبارها ولدت على أنقاض الحروب و الأزمات الحاصلة تاريخيا في العلاقات الدولية والاقتصاد والمجتمع و الحكامة والعولمة، و هي تبرز مدى الحاجة اليوم لمعلومات دقيقة وواضحة وملائمة تساعد على فهم تعقيدات المحيط الذي نعيش فيه، في وقت سيفوق فيه عدد سكان العالم تسعة ملايير نسمة وترتفع حرارة كوكبنا إلى أكثر من درجتين مئويتين. وحيث الصعود القوي للصين والهند سيعيد توزيع الخرائط الجيوسياسية بالعمق على المدى المنظور. ثانيا: توافر هياكل فعالة للتحليل والدراسة والتكوين للتركيز على مظاهر وتجليات أزمة الحكامة دوليا ومحليا وجهويا وآثارها على بلداننا العربية والمغاربية واستشراف آفاق التنمية الشاملة فيها من خلال الوقوف على حالة الأمكنة والاكراهات و التهديدات و المخاطرالتي تهدد كياننا وهويتنا ومستقبل أجيالنا، وشروط توفرها على آليات التفكير الحر التي تمكن من الإلمام بمشاكل العصر وتفسيرها مع القدرة على المشاركة الفعالة في إثراء الحضارة الإنسانية – فكرا وممارسة. ثالثا: اعتبار الديمقراطية دعامة أساسية لتقدم مراكز الفكر وقدرتها على خوض جدل علمي وخلق دينامية كبرى في تقويم الحكامة الشاملة في البلاد، وفق المعايير الدولية المعمول بها في هذا المجال، من خلال بلورة تفكير استراتيجي ورؤيا جديدة تتمتع باستقلال فكري وعضوي ووظيفي و ومصداقية ومشروعية ديمقراطية وعلمية بناءة ،عماده الخلق والإبداع والواقعية والشمولية في التحليل والإشراك والإدماج المتزايد للفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين والكفاءات في اتخاذ القرار الاستراتيجي، مع الحفاظ على المكونات الأساسية للهوية في معالجة القضايا القومية الكبرى وتدبير المخاطر والتهديدات في زمن العولمة و الأزمات. رابعا: الحاجة الملحة لقيام مراكز فكر قوية، من شأنها مساعدة الدولة و المقاولة و البرلمان و المنتخبين والمجتمع المدني في تحديد أولويات واضحة و أرضية علمية للنقاش والحوار والنصح والتشاور، في سبيل نشر مذاهب و نظريات ودراسات أكاديمية علمية وخبرات إستراتيجية من أجل ردم الفجوة القائمة بين الفكر والسياسة، ودعم الديمقراطية وتقاليد الحكامة الشاملة والجيدة في البلدان. خامسا: ضرورة تقديم الدعم المالي والمؤسساتي والقانوني لمراكز الفكر من خلال تنمية ثقافة الاحتضان والرعاية والبحث العلمي عند المقاولات والدولة والمؤسسات العمومية والجماعات المحلية. سادسا: ضرورة مراجعة البرامج الجامعية من أجل توجيه الطلبة نحو المشاريع البحثية والخبرات والاستشارات المتعلقة باقتصاديات المعرفة والتجديد والإبداع والبحث العلمي لما لها من دور رائد في التنمية، وتعبئة المجتمع المدني من أجل تحقيق أهداف إستراتيجية مدققة.
المصدر: التجديد نشر في التجديد

