إن تنظيم ملتقى علمي إسلامي من هذا النوع يجمع بين علماء فاس /القرويين، وفقهاء القيروان في الشقيقة تونس سيكشف لا محالة عن جوانب من الجهود التي بذلت في خدمة المذهب المالكي، واستمرار التواصل العلمي والفقهي لأعلام مبرزين في البلدين الذين عملوا على إرساء دعائم المدرسة المالكية بالديار المغربية، حتى أصبحت على ماهي عليه من الذيوع والانتشار، وهي أمانة ملقاة على عاتق الخل، لا للتذكير بما قام به السلف فقط ولكن لتمتين جسور التواصل وترسيخ قيم الائتلاف من جهة، ودراسة بعض القضايا الراهنة والمستجدات المعاصرة والبحث لها عن حلول وإجابات -من خلال استعمال آليات وأقيسة جديدة- تتلاءم ومقاصد الشرع وخدمة الإسلام والمسلمين في عالم يعج بالتحولات والتطورات، ويفرض تجديدا ومناهج جديدة تخدم الفقه الإسلامي وتترجمه بأسلوب حديث معاصر يساعد الأجيال على تلقيه بالقبول، ويقدم لها ثقافة معرفية تسهم بشكل كبير في تكوين فكره الديني وثقافته الإسلامية. إن البحث في الآثار التي طبعت الحياة الدينية للمسلمين في الغرب الإسلامي انطلاقا من المذهب المالكي، وما امتاز به هذا المذهب من خصوصيات وتفرد به من مميزات يوحي بالانطباعات التالية: 1 قوة اللحمة الإسلامية وآصرة الأخوة الإيمانية في نفوس المسلمين الذين اعتمدوا المذهب المالكي منهجا في التدين وأسلوبا في العبادات والحياة بعامة، وتجذر هذه الرابطة في القلوب، إذ امحت الضغائن والأحقاد التي تركتها العادات والتقاليد التي سادت وتحكمت في العلاقات بين الأفراد والجماعات قبل أن ينصهر الجميع في لحمة الإسلام وفي حياة إسلامية وعيش إيماني في جو من التعاضد والتكامل والتناصر ونبذ الخلاف، وما أشد حاجتنا إلى مثل ذلك اليوم في حياتنا المعاصرة، وهذا على الرغم من أن الوحدة الإسلامية التي ننشدها في زماننا هذا: الاجتماعية والاقتصادية والسياسية لا تعني إلغاء تمايز الدول الوطنية والقطرية، وإنما تجاوز ما أخذ يتجذر في النفوس، وخاصة لدى بعض النخب التي لم تعد ترى في الإسلام وفي المذهبية الفقهية الرباط والهوية التي تجمعها- أقول تجاوز الوطنية الضيقة التي أخذناها عن الغرب، والتي أصبحت هي الهوية الموحدة له والولاء الذي لا يعلى عليه. 2 إن هناك في فقهنا المالكي الممتد عبر الشمال الافريقي العربي المسلم، وفي الفقه الإسلامي بعامة – اجتهادات وآراء وأفكارا تباينت في عدد من المسائل والنوازل الفرعية، ولم تكن هذه الاختلافات سببا في حدوث تنافر أو تباعد بله مواجهة بين علمائنا وفقهائنا الأعلام، ذلك أن المذهبية الفقهية وفي المذهب الواحد لا تعني الانصهار في بوتقة واحدة ولكنها تعني السعة في المذهب والتنوع والغنى والخصب في الفقه. ولكن الملاحظ أن هذه الآراء الاجتهادية في المذهب الواحد أو المذاهب والمدارس الفقهية انقلبت على أيدي الأتباع والمقلدين إلى تعصب وتحزب فكري انعكست آثاره على الحياة الاجتماعية والفكرية والسياسية وخلفت، وما زالت، آثارا ضارة على نفوس المسلمين، بل واستغلت من لدن خصوم الإسلام للادعاء بأن الاسلام لا يقبل الاختلاف والتنوع والرأي الآخر حتى بين المسلمين أنفسهم فكيف مع الذين يعتنقون عقائد ومذاهب فكرية مخالفة. 3 إن الذي نعرف أن الحوار والجدال في مجال الدراسات العلمية بين العلماء والمثقفين ومهما اختلفت مشاربهم يبقى المنهج العلمي الرصين والموضوعي الذي يهيمن على المناقشات والمناظرات لعلمية، ويبقى أدب الاختلاف، الذي لايفسد للود قضية، هو السائد في هذا المضمار، ذلك أن التمايز والاختلاف أمر طبيعي بل فطري بين العلماء والمفكرين بسبب اختلاف المدارك والثقافات والمؤثرات الاجتماعية والخارجية، وهذا فضلا عن أن المذاهب الفقهية نتائج آراء وتبقى منهجا في العبادات والحياة وكلها صواب وتعددها والاختلاف بينها يعكس التعددية المشروعة التي جاءت بها الشرائع لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا فلا ينبغي أن تضيق بها الصدور أو تتحول إلى خلاف مذموم. 4 أن تطور الأمة ونهضتها الاجتماعية والفكرية لازم عبر العصور تطور الحركة الفقهية والفكرية بعامة، حيث سايرتها في نهضتها وقدمت لها الأفكار والنظريات والحلول الناجعة لما واجهها من قضايا ومشاكل، بل كان الفقه المتطور المتجدد هو المعبر الفعلي عن ازدهارها وحضارتها وهذا ما يؤكد ما ندعو إليه كعلماء ومثقفين وإسلاميين على أن هذه الأمة لا يمكن لها النهضة العلمية الشاملة إلا إذا كان الفكر الإسلامي والفقه الديني حاضرا في عملية النهوض والانبعاث، وإلا إذا تصالح فيها الديني مع السياسي والعلمي الاسلامي مع العلمي الطبيعي الكوني، والعقلي مع النقلي، كما حصل في زمن النهضة العباسية وخاصة أيام المامون، حتى إذا دبت العداوة بين تلك المكونات وتخاصم السياسي مع الديني واعتبره عنصرا غير مهيأ للإسهام في عملية التنمية الشاملة، واستأثر بالأمر من ليس أهلا لذلك، أعني من لا يزاوج في ثقافته وفكره بين الديني والسياسي، والاجتماعي والعلمي، انتاب الأمة الهوان والضعف، وانعكس ذلك سلبا على مختلف فروع العلم والثقافة، وتلك لعمري ما تشتكي منه الأمة الإسلامية: مجتمعات وشعوبا ودولا ولا سبيل للخروج من النفق إلا إذا تضافرت الجهود وتكاملت القدرات، وعسى أن يكون هذا الملتقى العلمي الأول بداية موفقة لفتح صفحة جديدة مع العلماء والمثقفين وذوي الشأن في هذه البلدان الأمينة.
المصدر: التجديد نشر في التجديد

