استضاف برنامج أكثر من رأي على قناة الجزيرة في موضوع يتعلق بالصحراء المغربية شخصية سياسية وإعلامية مغربية، وممثل الانفصاليين في الجزائر وشخصية قانونية مختصة في القانون الدولي.هناك ملاحظات فيما يخص الشخصية المغربية التي انتقاها البرنامج فيما يخص الدفاع عن القضية الوطنية، فهذه الشخصية لم يخرج نطاق دفاعها عن طروحات النظام رغم انتمائه لحزب وطني ظل لسنوات يضع استكمال الوحدة الترابية للمغرب من أولوية أولوياته خاصة في ظل القيادة التاريخية للزعيم الوطني المرحوم علال الفاسي ، اعتمدت هذه الشخصية على العلاقة التي كانت تربط سكان الصحراء بالسلطة المركزية في الوطن المغربي ألا وهي علاقة “البيعة” والتي اعتمدتها محكمة العدل الدولية في لاهاي في سنة 1975 أن هذا الشكل من العلاقات ينتمي إلى مرحلة سيادة العلاقات الإقطاعية وهو شكل لا يمكن أن يصمد أمام الطروحات الانفصالية.
إن ما يجب إثباته هو أن منطقة الصحراء هي منطقة انطلاق التغييرات والتحولات السياسية داخل المجتمع المغربي. فإذا القينا نظرة على تاريخ المغرب نجد أن اغلب التحولات التي عرفها المغرب كانت تأتي من الجنوب. وهذا ما كان يعيه نظام الحسن الثاني، وقد أكده في خطب وتصريحات صحفية، من هذا المنطلق كان موقف النظام من مسالة الوحدة الترابية لإدراكه خطورة أي عمل في الصحراء غير متحكم فيه من طرفه. لا يعني إلا العصف بنظامه كما انه كان يعلم باللقاءات التي عرفتها مدينة وهران الجزائرية سنة 1972 بين الشهيدين محمود بنونة ومصطفى الوالي حول العمل المسلح في المغرب للإطاحة بنظام الحسن الثاني. وان هناك محاضر في الموضوع كانت لدى فقيد الحركة الاتحادية المناضل الفقيه محمد البصري وقد أكد ذلك في رسالته التي بعثها إلى المؤتمر الوطني الثالث للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية في 1978 والتي لم تقرأ على المؤتمرين فقد كان الاتفاق على العمل المسلح كشكل نضالي للإطاحة بالنظام وطرد الاستعمار من الصحراء باعتبار أن النظام كان يهادن الاستعمار الأسباني وان عمل النظام لاسترجاع أراضيه كان عبر الطرق الدبلوماسية في الوقت الذي استعادت مجموعة من الدول أراضيها عن طريق الكفاح المسلح لا ذلك هو المنطق الذي يفهمه الاستعمار وكان الخلاف حول بداية الانطلاقة فلشهيد محمود بنونة كان يرى ضرورة انطلاق الكفاح المسلح في مجموع التراب الوطني في حين أن الشهيد مصطفى الوالي الركيبي كان يرى ضرورة التركيز على منطقة الصحراء المغربية المحتلة وطرد الاستعمار الأسباني لكي تصبح المنطقة بعد تحريرها عمقا استراتيجيا وقاعدة خلفية للثورة المغربية على النظام بالإضافة إلى كون الأخير في تلك المرحلة كان يعاني من عزلة داخلية كبيرة وخارجية أيضا فبعد المحاولتين الانقلابيتين ل 10 يوليوز 1971 و 16 غشت 1972 وإعدام العديد من الضباط سواء الذين شاركوا في المحاولتين الانقلابيتين أوالذين تم إعدامهم لحسابات سياسية أو شخصية كما هو الحال مع الضابط الشهيد إبراهيم المانوزي كما أن المد الذي عرفته الحركة الجماهيرية التي ووجهت بقمع شرس بلغ أوجه بعد انتفاضة 3 مارس 1973 وإعدام العديد من المناضلين الشهداء كل هذا جعل النظام في عزلة داخلية إضافة إلى الانتصارات التي عرفتها حركة التحرر الوطني في إفريقيا خصوصا في انغولا والموزمبيق والرأس الأخضر وانتصار الثورة الفيتنامية واللاووسية و الكمبودجية في أسيا وثورة القرنفل في البرتغال في ابريل 1974 كل هذه العوامل أدت بالنظام المغربي إلى طرح ملف القضية الوطنية من منطلق الحفاظ على عرشه لأننا ندرك كما قال الفقيد الفقيه محمد البصري متى كان الإقطاع محررا؟كان حريا بالمحاور الذي يمثل وجهة نظر الوحدة الترابية أن يؤكد على حقيقة تاريخية وهي الثنائية المعروفة في تاريخ المغرب ببلاد المخزن وبلاد السيبة، فطيلة تاريخ المغرب بعد الفتح الإسلامي كان يعرف هذه الظاهرة . فحين تضعف السلطة المركزية تستقبل العديد من الأقاليم عن عنها وحين تتقوى هذه الأخيرة تقوم بجمع هذه الأطراف عن طريق الحركة التي يقوم بها المخزن. حيث يخرج بجيش تشارك فيه القبائل التي تدعمه لاسترجاع المناطق التي تمردت على السلطة المركزية فلا غرابة أن نجد دواوير وقبائل من منطقة الجنوب استوطنت الشمال والعكس صحيح كما نجد قبائل امازيغية وسط قبائل ذات اصل عروبي أو العكس كذلك.ونجد قبائل ذات أصول صحراوية متمركزة في منطقة الرحامنة بابن جرير وأربعاء سيدي المختار في منطقة شيشاوة وبلاد احمر بولاية أسفي كل هذه القبائل هي من أصول صحراوية بل إن هناك دوارا شمال مدينة أسفي أغلبية سكانه هم من منطقة ايت باعمران وجنوبها ويطلقون عليه دوار بورصاص.هذه القبائل بعضها هاجر إلى المناطق المذكورة نتيجة الجفاف التي عرفتها وتعرفها المناطق الصحراوية أو من جيوش ابن الشيخ الهيبة الذي انطلق في العقد الأول من القرن العشرين من منطقة الصحراء المغربية معلنا الجهاد صد السلطان عبد الحفيظ الذي اعتبره ابن الشيخ باع المغرب للنصارى وقد استطاع هذا الزعيم الوطني تحرير تارودانت ومراكش وكان يريد الوصول إلى فاس لتحريرها من السلطان عبد الحفيظ المتحالف مع فرنسا إلا أن المعركة الفاصلة في منطقة ابن جرير بين المجاهد ابن الهيبة وتحالف السلطان عبد الحفيظ مع فرنسا تمكنا من هزيمة الهيبة نظرا للتفوق الذي كانت عليه القوة المعادية.إن هذه الواقعة تؤكد بالملموس أن سكان الصحراء لم يكونوا يعتبرون أنفسهم غير مواطنين مغاربة فلو كانوا غير ذلك لما فكر الهيبة الوصول إلى فاس لعزل السلطان الذي باع المغرب للنصارى حسب قناعته .هناك عامل أخر هو وجود جيش التحرير المغربي في الجنوب حيث أن هذا الجيش ركز نشاطه في الجنوب لتحرير الصحراء وموريطانيا وقد امتد عمله إلى داخل موريطانيا التي كانت محتلة آنذاك من طرف الاستعمار الفرنسي وذلك على أمل الوصول إلى نهر السينغال باعتباره الحدود الجنوبية الطبيعية للمغرب إلا أن الحسابات السياسية للقصر وبعض الأطراف السياسية الوطنية والمصالح الاستعمارية تامرت على جيش التحرير وتمت تصفيته تصفية دموية.فجيش التحرير في الجنوب مزج بين الطرح الوطني والاجتماعي والنظام كان يدرك إن انتصارات جيش التحرير من شانها التأثير على القرار السياسي للنظام خصوصا أن افقه امتزج فيه الوطني بالاجتماعي لذلك تآمر القصر والاستعمار ضد جيش التحرير.هناك معطى آخر نعتمده في مواجهة خصوم وأعداء وحدتنا الترابية من انفصاليين وغيرهم خصوصا أولئك الذين يعتمدون شعار “حق تقرير المصير”.فتشكيل شعب من الشعوب يعتمد على عاملين أساسين:العامل الأول: هو التكوين النفسي المشترك وهذا التكوين لن يتأتى تحقيقه في قرن من الزمان بل يتطلب قرونا لتشكيله وتدخل ضمنه اللغة والتاريخ والدين والعادات والتقاليد كل هذه تشكل التكوين النفسي المشترك وهو قائم الآن بين كل مكونات الشعب المغربي.العامل الثاني: هو الواقع الاقتصادي المتميز ولو كان ذلك في شروط استعمارية ويمكننا القول أن الواقع الاقتصادي واحد خصوصا من منطقة سوس إلى تخوم موريتانيا.إضافة إلى كل هذا هناك القفزة الكبيرة التي قفز بها المغرب منطقة الصحراء المغربية حيث حول المنطقة من مجتمع قبلي إلى مجتمع قطري وهذه قفزة تقدمية عظيمة لا يمكن تحقيقها في بعض عقود من الزمن وبفضل المغرب وتضحيات جماهيره وإمكاناته تم قطعها في اقل من ثلاثة عقود.هذه هي المنطلقات التي يجب اعتمادها للدفاع عن القضية الوطنية بعيدا عن الطروحات التي عفا عنها الزمان. طروحات لا تقنع الرأي العام الدولي خصوصا الغربي منه المؤثر سياسيا في شروط عالمنا اليوم.
المصدر: أسيف نشر في أسيف

