في ذلك المسجد الجميل، كنا نصلي صلواتنا الخمس، ونخرج قرب المسجد نتذاكر بضع دقائق، يأنس بعضنا ببعض، ونتفقد أخبار بعضنا، ونتذاكر حول أخبار المسلمين.كثيرا ما كنا نعزم على القيام ببعض التمارين الرياضية عقب صلاة الصبح، وكان البعض منا تذهب به عينه، فيستفيق ضجرا نادما على ما ضاع منه ذلك الصباح.وبين العشاءين كان يحلو لبعض الإخوة أن يسيروا مشيا على الأقدام يتنسمون العليل الجميل، ويوطدون معاني الأخوة بينهم. كان المسجد جامع القلوب، وموحد المواجد والاختيارت، كان إذا حَزَبَ أحد منا شيء لجأ إلى المسجد، يلتمس إخوانه، لقد كانوا حق العون ونعم النصير. تفرقت بإخواننا السبل، فمنهم من دعاه العمل لمغادرة المدينة ، ومنهم من خطفه الزواح بعيدا، ومنهم من انتقل من ذلك المكان. غادرت المكان بعيدا، وطال بي الشوق لزيارته، لعلي أتنسم بعض ذكرياته، وأقف على بعض الصور الجميلة التي ترسخت في ذاكرتي. مرة زرت المدينة ، وتوجهت إلى ذلك المسجد الجميل، فاختلفت علي المظاهر والصور، واختلف علي الناس، وصرت أتحسس لعلي أجد من بين المصلين أحدا يذكرني بتلك الأيام. صليت صلاة العصر، وخرجت إلى ساحة المسجد، فلم أجد إلا شابا يلبس ثيابا قصيرة،
لا يظهر من ملامحه شيء ينتمي إلى تربة هذا الوطن، لحية كثة مبعثرة، وشعر أشعث ملفوف داخل عمامة بيضاء غير مستوية الربط، تخرج من عينيه شعاعات الرفض والاستنكار. كان الشاب يفترش كتبا إسلامية لا يجمع بينها جامع منهج أو تخصص، ويجلس أمامها على كرسي ينتظر من المصلين أن تقع أيديهم على بعض الكتب لعله يدرك في ذلك قوت يومه. فالشاب متزوج وله أربع عيال. جلست إليه، ونويت أن أقترب من بعض أفكاره، لم يدم نقاشنا طويلا حتى بادر الشاب إلى تفسيق القرضاوي والشيخ محمد الغزالي رحمه الله، وتبديع الشيخ كشك وسيد قطب ومحمد قطب وغيرهم من أعلام هذه الأمة ورموزها. سألته عن بعض قراءاته فوجدت الشاب لا يكترث بقضايا الفكر، وإنما يهتم فقط بعلوم الشرع وتحصيل مصطلح الحديث. ناقشته في بعض قواعد العلم ومطالبه، فوجدت الشاب ممسكا ببعض الكلمات يقذفها دون تحصيل لمعناها ولا إدراك لدلالاتها، يستشهد بالإمام الذهبي والإمام ابن تيمية، ولا يعرف عنهما شيئا. صبرت على الشاب طويلا، غير أني لم أطق تطاوله على العلماء وعلى رموز الدعوة الإسلامية، فخفت أن أفقد معه صبري، ففاجأته بسيل من الأسئلة، أختبر بها بعض معارفه الصغرى في اللغة والنحو والبلاغة، سألته فوجدت الرجل لا يفقه شيئا، ثم عرجت على المبادئ الأولى في مصطلح الحديث وعلم الأصول فوجدت الشاب خالي الوفاض إلا من كلمات يتمتم بها ولا يعرف لها معنى، وإنما يسوقها ليثير بعض الاندهاش في نفوس من يستمع إليه، فيتوهمون أن الرجل ضالع في العلم محصل لمسائله. – إذا كنت لا تعرف الحد الأدنى من المعارف، فلماذا تتطاول على العلماء؟ سكت الشاب طويلا ثم أردف يقول: – العلم ينبغي أن يؤخذ من أفواه الرجال. – أنت لم تأخذه لا من أفواه الرجال ولا من بطون الكتب!! صاح يصرخ بملئ صوته: – ليس أخطر على الدين من ذلك المدعو يوسف القرضاوي….. وصار يسمي أسماء كثيرة من فطاحلة الدعاة والعلماء والمفكرين. ابتلعت ريقي، ونظرت مليا في الكتب التي كان يفترشها، فأبصرت بعض كتب من يتطاول عليهم. كان الشاب يبيع كتاب الصحوة الإسلامية ليوسف القرضاوي، وكتاب شبهات حول الإسلام لمحمد قطب، وغيرها من الكتب… جمعت تلك الكتب كلها وحزمتها، فظن الشاب أني سأقتنيها منه، بدا الاستبشار على محياه إذ لم يبق له من مفترشاته إلا بضع يسير من الكتب. وقبل أن ينطق بكلمة بادرته قائلا: – أنت ترى أن القرضاوي ضال ومضل، وكذلك محمد قطب والشعراوي…؟ – نعم بلاء هذه الأمة إنما كان من جراء أفكارهم ومبتدعاتهم.!! – وإذن فلا حاجة لك بهذه الكتب، إنها كتبهم، ولا يكون منطقيا أن تنشر الضلال والبدع. صدمته بسلوكي إذ لم يكن يتصور أني سأقوم بذلك، أخذت الكتب ومضيت بعيدا، فوقع الشاب في ورطة كبيرة، لقد أحس أنه ممتحن في فكره ورزقه، فهل ينسجم فكره ويدعني آخذ الكتب دون أن أؤدي ثمنها، أم يخذل فكره ويبحث عن رزقه؟. امتحان كبير سرعان ما ظهرت نتيجته، لقد اكتشفت أن الشاب متعلق برزقه أكثر من تعلقه بفكره، صاح علي يقول: – أرجع لي كتبي، أنت تريد أن تقطع لي رزقي!!. – في الحقيقة أنا أردت أن أختبر فقط فكرك. – وماذا كانت النتيجة؟ – النتيجة أنني أضعت الوقت مع شاب مختلط الفكر مضطرب السلوك، يركب الغلو، ولكنه يلتمس المال ويحبه حبا جما، ومستعد للتنازل عن كل أفكاره مقابل بعض الدراهم. رجعت إلى بيتي أجر خيبة الأمل، وأقيس الماضي بالحاضر، وأتذكر مجمع الصفوة الذين كانوا يملأون المسجد حبا ورحمة، ويسعون في معونة الكبير والسؤال عن الصغير. تأملت طويلا ففاجأني السؤال: ترى لو كان قدر المساجد أن يتحول التدين فيها من ذلك الجمال وتلك الرحمة إلى ذلك الغلو وتلك الغلظة، ماذا يكون مصير هذه الأمة؟
المصدر: بلال التليدي نشر في التجديد

