كان البيان المتسرع جدا؛ الصادر عن وزارة الداخلية والذي يتحدث عن تنظيم أسماه ب “السلفية الجهادية” بمثابتة شرارة انطلاق حملة تشويهية على صفحات العديد من الجرائد الفرنكو علمانية، سواء منها الناطقة بلسان “ليوطي” أو المستعربة اللسان. حملة جعلت منطقها وهدفها تخويف الشعب المغربي من كل ما يقترب ولو قليلا من الالتزام ولو الشكلي بالإسلام، وربما استهدفت المساجد ومن يتحمل مسؤوليتها. الحملة تجاوزت الرهانات الانتخابوية والحسابات السياسوية، واستغلها أصحابها للصد والرد واللمز والغمز وتوجيه اللكمات والاتهامات، وإظهار كل ملتزم بدين الله على أنه إرهابي كامن، سوف ينفجر في وجه المجتمع بمجرد التمكين له من حقوقه السياسة. ولذلك حذرت هذه الصحافة الناخبين من الإدلاء بأصواتهم ل “أعداء الديمقراطية” الذين سوف ينقلبون عليها بمجرد وصولهم إلى البرلمان. وهي كذبة واضحة لكل من له ذرة من عقل يفكر بها، فهل يستطيع أحد أن ينقلب على الديمقراطية في المغرب حتى ولو حصل على أغلبية ساحقة في البرلمان؟
الركوب المقيت على ما ورد في بيان وزارة الداخلية من حديث عن “سلفية جهادية” أظهر بعض الأقلام والمنابر مثل جوقة تعمل وفق إشارة من بعض الجهات الأمنية النافذة التي يهمها محاربة كل ما هو ديني في المجتمع. خصوصا وأننا قرأنا على مدى أسابيع لمن يتعرض لقضايا لازال القضاء لم يبت فيها بعد، اعتمادا على ما يسميه “بمصادر موثوقة”. ومعروف أن المصادر الوحيدة التي لازال أمر المعتقلين والمتابعين في يدها هي المصادر الأمنية. فهل هناك جهة ما داخل الجهاز الأمني هي التي كانت تسرب ما تريد له أن ينتشر ويذاع على الناس إلى الأبواق المرددة لأقوالها، أم أن لهذه الأبواق موارد تمدها بالأخبار من داخل جهاز الأمن؟ وكذلك يظهر التناغم بين بعض عناصر هذه الأجهزة وتلك الأبواق المرتبطة بها من التقاء أهداف كل منهما. فبعض الجهات الأمنية كانت دائما تبدي انزعاجها من المقاربة الإدماجية التي اتبعها المغرب في تعامله مع حركات الصحوة الإسلامية. «وهي المقاربة التي جعلت المغرب ينجح في تدبير هذا الملف ويقدم نموذجا إيجابيا في الوقت الذي مازالت دول المقاربة الأمنية تعيش في وحل اللااستقرار والعسكرة الشاملة للمجتمع». ولكن، مع أن هذه الجهات الأمنية ترى بأم عينها نجاح المقاربة المغربية وفشل المقاربة الأمنية فإنها مع ذلك مصرة على دفع المغرب إلى أن يصبح دولة بوليسية تهدر فيها الحقوق وتسرق الثروات تحت ما يسمى بمحاربة التطرف. ولذلك أطلقت أبواقها الإعلامية بموازاة مع إطلاق ملف ما يسمى ب “السلفية الجهادية” و”الخلية النائمة” لتشويه صورة الجبهة الدينية في المغرب، وتوجيه النقد للسياسة الإدماجية المتبعة تجاه الحركات الإسلامية، وذلك في أفق التهييء لقبول اجتماعي لمشروع المعالجة الأمنية لملف الحركات الإسلامية، والانقلاب بالتالي على التوجهات التي أفصح عنها العهد الجديد بخصوص الإدماج الاجتماعي للمساجد وتفعيل دور العلماء في الحياة العامة”. ولكن يبدو أن الأمور قد سارت في اتجاه فضح هذا التواطؤ (الأمني الإعلامي) مما اضطر الجهة التي أصدرت البيان الذي أعطى إشارة الانطلاق للحملة المسعورة إلى استدعاء بعض المنابر المنتقاة بدقة إلى “اجتماع غير رسمي” يبدو أن الهدف منه كبح جماح بعض الذين ينطبق عليهم المثل المغربي القائل:”حمقاء وقالوا لها زغرتي” فتجاوزوا الحدود المرسومة، ولذلك كان الاجتماع “غير الرسمي” لتنبه وزارة الداخلية بعض المنابر إلى أنها قد ضخمت القضية أكثر من اللازم، وأن الأمر يتعلق فقط ببعض مجموعات قليلة جدا ومسيطر عليها، وربما أغلبها لا علاقة له بالإسلام ولا بالحركات الإسلامية. وهو ما دأبت “التجديد” على تأكيده منذ انطلاق الحملة المسعورة. ولذلك طلعت علينا نفس الجوقة الدعائية بعد الاجتماع “غير الرسمي” المعلوم بمقالات في إطار حملة أخرى متناغمة كذلك تحاول أن تصحح التصويب وتقلل من أهمية أعمال العنف المرتكبة، وتقلل من السرعة المسعورة التي أركبتها مراكب الهلاك والتحامل. بل من هذه المنابر من خصص للقضية ملفا خاصا بعد “الاجتماع المذكور”، مثل الملف الذي أصدرته “لاغازيت دو ماروك” في عددها الأخير. ولكن مع بعض التراجع في اتهام كل الحركات الإسلامية بالعنف الظاهر أو الكامن، وبأنه ليس في قنافيذها أملس، ويبدو أن “أصحاب الحال” محركي الجوقة لا يزالون مصرين على مشروعهم الأمني الرامي إلى عسكرة المجتمع وعسكرة المساجد بعد عسكرة الجامعات “بالأواكس”. ففي مقال ضمن ملف “لاغازيت دو ماروك” عنونه صاحبه ب “إسلامية وأمن” وبدأه بعنوان فرعي هو “رصانة ويقظة” وبعد أن نقل الكاتب ما قيل له في “الاجتماع” من أن «المغرب ليس هو الجزائر كما تؤكد حسب قوله (مصادر قريبة من مصالح الأمن المغربية)، وبأن المجموعات المكتشفة لا تمثل تهديدا حقيقا لاستقرار البلاد. والدليل أن أعمال هذه المجموعات التي ينتمي أغلبها إلى الإجرام العادي، وأنه لا يتجاوز ستة جرائم خلال أربع سنوات». وأن «الوضعية هي تحت السيطرة» ينتقل الكاتب إلى القول نقلا طبعا عن مصادره الموثوقة أنه في دواليب الدولة لا ينوي القائمون على الأمر، النوم في العسل كما يقال بل إن الوضع يتطلب يقظة قصوى ومستمرة لوأد كل عمل “إجرامي «في المهد». ونقلا عن نفس المصادر يقول “الصحافي” “إن العمل الوقائي سوف يتطلب إعادة انتشار وهو أمر جار للشرطة في كل التراب الوطني. كما أنه يتطلب تآزرا وتعاونا جديدا لكل أجهزة الدولة. هذا التعاون كما يهم القطاعات الحكومية كالداخلية والأوقاف والشؤون الإسلامية فإنه يهم كذلك مصالح الأمن كالإدارة العامة للأمن الوطني وإدارة مراقبة التراب الوطني DST والدرك الملكي. إعادة الانتشار هذه سوف تمس 00051 رجل للحفاظ على الأمن، وإعادة السيطرة على جميع الأحياء التي تنتشر فيها هذه المجموعات»، ولكن يؤكد الصحافي بناء على نفس المصادر فإن «العمل الأمني لن يكون كافيا لوحده لتعطيل نمو هذه الظاهرة التي هي لازالت جنينية. فالواجب إرفاقها بعمل مواز، على المستوى الاجتماعي والاقتصادي. وهذا العمل الموازي سوف يهم مسألة التشغيل الحساسة جدا والسكن بقصد التخفيف من الكثافة السكانية في الأحياء الشعبية. وكذلك فإن التعليم يوجد من بين الأهداف المرصودة، وخصوصا التربية والتعليم اللذين يتمان خارج النسق الرسمي، وعلى الخصوص في الكتاتيب ودور القرآن». وفي الأخير فإن جميع المساجد مهما كان اتساعها يجب وضعها تحت مراقبة الجهاز “الإداري”. الجهات النافذة في داخل أجهزة الأمن لازالت إذاً مصرة على عسكرة المجتمع بكل مفاصله، من مؤسسات تعليمية ومساجد وغيرها. وهذه الجهات لها جوقة عاملة في أوساط الإعلام يجد المشروع الأمني هوي لديها وينسجم مع تطلعاتها الاستئصالية والانقلابية على مساعي العهد الجديد لإدماج جميع فئات المجتمع في مؤسسات المجتمع دون إقصاء. ولكن الإقصائيين يريدون إعادة سيناريو أصدقائهم الجزائريين عندما هبوا بمجرد إعلان نتائج الانتخابات سنة 2991 إلى دعوة الجيش للتدخل حسب قولهم لحماية الديمقراطية من أعداء الديمقراطية، أي بتعبير آخر علي وعلى أعدائي». وهونفس الخطاب التخويفي الذي تنادي به صحف ما يسمى عندنا ب “الأحزاب الديمقراطية” فحذار من إيقاظ فتن نحن في غنى عنها. لقد نجح المغرب إلي حد الآن في إدماج كل تياراته الفكرية العاملة دون إقصاء، وعلينا جميعا أن نستثمر هذا النجاح لصالح بلادنا بكل فئاتها. فدعوة الإقصائيين خارجة عن سياق الزمن والتاريخ. فهل يسعى الساعون إلى ما هو أخفى من ذلك؟ إبراهيم الخشباني
المصدر: التجديد نشر في التجديد

