الشعب المغربي شعب مسلم.. ودولته دولة مسلمة، ومن المعلوم من الدين بالضرورة أن الإسلام يقوم على أركان خمسة وأن اختلال أي ركن من هذه الأركان يترتب عليه اختلال البناء كله.
للمغاربة شعبا ودولة احتفاء خاص ببعض الشعائر مثل صيام رمضان حيث لا تكاد تجد من يفطره في العلن ولا يفعل ذلك في السر إلا بعض “المتغربين”، الذين هم في الواقع فئة منبوذة ومعزولة،بل إن أحوال المجتمع تتغير رأسا على عقب في السلوك والخلق خلال الشهر الفضيل، وتساير الحكومة مناسبةرمضان بتنظيم أوقات العمل مراعاة لمواقيت الإمساك والإفطار. وللمغاربة شعبا وحكومة عناية بالمساجد بناء وصيانة ونفقة على فقهائها ومؤذنيها وقيميها. ولهم أيضا تعلق خاص بشعيرة الحج وإليها تهفو أفئدتهم فيدخر بعضهم عمرا طويلا كي يتمكن من حجة العمر وتقوم الدولة على تنظيم الرحلة وتيسير أسبابها. وللمغاربة أيضا حرص على إخراج الزكاة وإن كان دون حرصهم على أداء الشعائر الأخرى، ولهذا تجد التجار عند حلول العام الهجري قد أوقفوا تجارتهم وتفرغوا لتقويم رساميلهم وعروض تجارتهم من أجل إخراج الزكاة، وتجد الفلاحين عند موسم الحصاد قد قسموا غلتهم إلى عشرة أقسام وجعلوا واحدا منها للزكاة وصرفوها إلى الفقراء من الأقرباء والأبعدين على أن البعض منهم يعتبر أداءه للضريبة إلى الدولة مجزيا عن إخراج الزكاة، والبعض الآخر يكتفي بإخراج دريهمات يمني نفسه عند إخراجها بأنه قد قام بالواجب،مما يبين عن قصور في فهم فريضة الزكاة وأنصبتها وطريقة ووجوه إخراجها، وهو ما يكشف أن جهود التوعية الدينية في هذا المجال لا تزال في حاجة إلى مضاعفة.ودون شك فإن التعجيل بإخراج مؤسسة الزكاة التي كان قد أعلن عنها الملك الحسن الثاني رحمه الله سيكون أحسن فرصة لمثل هذه التوعية، وكان قد أعلن في رمضان 1418(يناير1998)عن تعيين لجنة تحضيرية لتطبيق نظام الزكاة عبر مؤسسة مستقلة ذات نفع عام وفق ما تقضي به الشريعة،على أساس أن تتشكل من أعضاء من الحكومة والجهاز التشريعي والعلماء، ومن بعض التقنيين في المالية.واعتبر حينها أنه إذا كانت الضرائب تملأ الخزينة بجميع المتطلبات، والمصاريف التي تحتاج إليها الدولة فإن الزكاة يمكن أن تضطلع بتقليص الفوارق الاجتماعية التي تعتبر تحديا للروح الإسلامية ولركائز البعثة المحمدية وتهدد بالانفجارات الاجتماعية. إخراج مؤسسة الزكاة إلى حيز الوجود تفرضه إذن ضرورات اجتماعية ملحة تتمثل في ردم الهوة الاجتماعية بين فئات المجتمع المغربي التي ما فتئت تتزايد، والقضاء على مظاهر الفقر،إذ الزكاة ليست مجرد صدقة تنتهي في نهاية المطاف إلى توسيع دائرة المتسولين،بل الهدف منها العطاء مع الإغناء عن السؤال ونقل الفقير من وضع الحاجة والعالة إلى وضع المبادرة والإنتاج. وتفرض قبل ذلك وبعده إقامة هذا الركن من أركان الإسلام: إقامته بتوعية الناس بضرورة إخراجها، وإقامته بتنظيم جبايتها وصرفها، وإقامتها بإلزام المتهاونين بإخراجها وكيف لا يكون الأمر كذلك وقد بلغ من حرص الخلفاء على إقامتها أن قال سيدنا أبو بكر: “والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة”؟فمتى يتم إخراج مؤسسة الزكاة إلى حيز الوجود؟
المصدر: التجديد نشر في التجديد

