لعل وزارة الداخلية، ماضية، وبإصرار، في مواجهة الاختلالات والتجاوزات التي لم يعد بالإمكان السماح بها في مغرب اليوم. يتجلّى ذلك في تصميمها على إعطاء مفهوم ومبدإ الحكامة المدلول الحقيقي الذي يبدو أن البعض من رؤساء الجماعات المحلية لم يستوعبوه جيدا أو أنهم يعتبرون الأمر مجرد كلام وتبقى الأحوال على ما هي عليه في انتظار الانتخابات القادمة. وحينذاك لها مدبّر حكيم. توضيح هذا المفهوم لا بدّ أن تواكبه عملية المطابقة بين المسؤولية والمحاسبة، أي أنّ المحاسبة تكون على قدر المسؤولية، وبصيغة أخرى “على قدر أهل العزم تأتي العزائم”. وهذه مسألة دستورية لم يعد من المستساغ عدم الانتباه إليها والأخذ بها خاصة حين يتعلق الأمر بمسؤولية التسيير الجماعي. ولا شك أن هذا التوضيح سيدركه رؤساء الجماعات الذين سيجدون أنفسهم أمام القضاء أو أمام لجان التفتيش للتحقّق من التجاوزات المنسوبة إليهم. يتعلق الأمر بأكثر من مائة رئيس وعضو جماعي حسب تقرير وزارة الداخلية الذي لم يتردد في الحديث عن متابعات قضائية بالجملة في حق 104 من هؤلاء المسؤولين الجماعيين الذين سيكون عليهم الدفاع بالقانون عن تبرئة ذمّتهم أو ثبوت تورّطهم فيما كانوا يخوضون فيه من دون الإحساس بالضمير والوازع الأخلاقي والديني، وبالمسؤولية الملقاة عليهم التي تحمّلوها عن طواعية واختيار. وبدون شك، فإن مثل هذا الإجراء سيكون له وقعه وتأثيره على كل من اختار العمل النيابي على صعيد الجماعات المحلية، كما سيكون له صداه لدى الكتلة الناخبة التي تشعر بخيبة أملها في بعض رؤساء وأعضاء الجماعات الذين يدفنون مبادئهم عند عتبة الباب الكبير للمجلس الجماعي ويدوسون عليها من دون أدنى مبالاة ولا احترام لمواطنيهم الذين يزعمون تمثيلهم في المجالس الجماعية. إن الأمر لا يقف فقط عند جدّية الوزارة الوصية، التي شمّرت، فعلا، عن ساعد الجد لمواجهة هذا النزيف؛ كما أنه لا يقف عند مصداقية المعنيين الجماعيين، بل يتعلّق بثقافة جديدة يجب أن تسود العمل السياسي سواء على مستوى القاعدة أو على مستوى القيادة. وعلى الأحزاب السياسية أن تتحمّل مسؤوليتها كاملة في اختيار مرشّحيها للانتخابات الجماعية وسائر الانتخابات، وأن تمنح التزكيات لمن يستحقّها، وليس التلويح بها يمينا وشمالا، ولكل من هبّ ودبّ. من هنا يتسرّب الماء ليس للجماعات والغرف والجهة والبرلمان، بل لسائر الأحزاب التي بإغفالها وعدم تشدّدها في اختيار المرشح المناسب للدائرة المناسبة، تساهم في اتّساع الخرق على الرّاقع، ويصبح بالتالي التطلع للترشّح ثم للرئاسة من منطلق أنه باب للاغتناء السريع على أساس أنه لن تكون هناك محاسبة ولا هم يحزنون. على سبيل المثال، هناك الآن مجموعة من الملفات الساخنة حول الحسابات الإدارية التي رفضتها مجالس الجماعات الحضرية وجعلتها رهن إشارة المجالس الجهوية للحسابات لتعميق البحث بصددها. وهناك عدة تقارير ترتبط بتسيير شؤون بعض الجماعات الترابية، وتشير هذه التقارير إلى ملاحظات تتعلق بالمالية والمحاسبة، والصفقات العمومية، والتهيئة الحضرية، والممتلكات الجماعية، والتسيير الإداري، والموارد البشرية. وكل هذه المجالات وغيرها تسيل لعاب المتلهّفين للاغتناء السريع. بناء على هذا، من المنتظر أن تسفر تحريات وأبحاث اللجان التابعة للمفتشية العامة للإدارة الترابية عمّا ينفي أو يثبت مدى براءة أو تورط المعنيين في انتهاكات القانون، علما أن هناك المئات من المحاضر الخاصة باجتماعات المجالس الجماعية، ومجالس المقاطعات، والمجالس الإقليمية، ومجالس العمالات، ومجالس الجهات بين يدي المسؤولين عن التحقيق؛ كما أنّ من شأن هذه الإجراءات أن تكشف عن حقائق ومعطيات مهمة تسلّط المزيد من الأضواء على مكامن الخلل وبؤر الغشّ والتقصير، ممّا يسمح بالضرب بقوة على كل من تسوّل له نفسه انتهاك القانون، وممارسة الشطط واستغلال النفوذ في مجال التسيير والتدبير والحكامة على مستوى الجماعات الترابية. بالطبع، الرأي العام يتطلّع وينتظر ما ستسفر عنه تحقيقات اللجان المعنية والمعيّنة. وأكثر من هذا يترقّب حصول تغييرات كبيرة وعميقة في عقليات وسلوكات البعض التي عفا عنها الزمن، ولم تعد تتماشى مع السرعة التي يسير بها المغرب.
المصدر: النهار المغربية نشر في النهار المغربية

