لا يستغربنّ أحد حين يعلم أن “جبهة البوليساريو”، التي لم تطلق الرصاص سوى على المغاربة الصحراويين، تأسست بناء على الكذب انطلاقا من إخراجها إلى حيز الوجود في عملية قيصرية تمت على أيدي أنظمة استبدادية في كل من إسبانيا وليبيا
والجزائر
. لذلك خرجت “الجبهة” غير مكتملة الولادة ومشوّهة. وبالرغم من التدخّلات المكثّفة للأنظمة المذكورة من أجل أن يخرج المخلوق الغريب سليما سويّا، فإن محاولاتها باءت بالفشل. وظهر هذا المخلوق معوّقا مشلولا يعتمد في كل شيء على الآخر. وسرعان ما سينفرد النظام
الجزائري
بالتكفّل بالمخلوق المعوّق بعد أن رفع نظام فرانكو ونظام القذافي يديهما عليه بعد أن أدركا أنهما سيتمحّنان كثيرا من أجل رعاية “الجبهة” والعناية بها والاستجابة بالتالي لطلباتها. مباشرة بعد انفراد النظام
الجزائري
بالتكفّل ب”الجبهة”، انطلق تدشين مسلسل الافتراء، الذي يتم إعداده في مطبخ مخابرات هذا النظام، بأول كذبة تمثّلت في أنها “حركة تحرير”. وكانت الكذبة الثانية تشبيهها حاشاكم وأعزّ الله قدركم بحركة التحرير
الفلسطينية
. وهنا تفتّقت عبقرية الكذب بإخراج علم يحاكي علم دولة
فلسطين؛
وفي محاولة لتجنّب إحراج
الفلسطينيين
، تمت إضافة هلال تتوسطه نجمة تشبيها بالعلم
الجزائري؛
وفي إطار نفس التشبيه تمّ إطلاق اسم على المخلوق المعوّق في حفل عقيقة جاء متأخرا كثيرا عن وقته، هو”الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية” تيمّنا بالجمهورية
الجزائرية
الديمقراطية..”. وفي كذبة أخرى أفظع وأبشع، سيتم استغلال صور أطفال
غزة
الفلسطينيين
وترويجها في بعض وسائل الإعلام الدولية على اعتبار أنها صورة أطفال صحراويين قتلتهم قوات الأمن المغربية. وسيمضي مسلسل الكذب إلى مصر بإطلاق اسم الصحراء الغربية على الصحراء المغربية، علما أنّ العالم كله لا يعرف سوى الصحراء الغربية الموجودة في بلاد الكنانة. مسلسل الكذب لن يتوقّف عند هذا الحد، بل سيلبس تارة لبوس قضية اسكتلندا التي قضى استفتاء بها بعدم انفصالها عن
بريطانيا
، وتارة أخرى بمسألة كاتلانيا بإسبانيا التي تهدد حكومتها المحلية بإجراء استفتاء لقطع آخر شعرة تربطها بمدريد ، بل إن المشرفين على مسلسل الكذب هذا هلّلوا لانفصال تيمور الشرقية عن
أندونيسيا
، وجنوب السودان عن
الخرطوم
.. وما زال الكذب مستمرا بالتشبّه بأيّ حركة انفصالية أو تحريرية في العالم. والنظام
الجزائري
يصرف الأموال بسخاء لا مثيل له في تاريخ العرب والعجم. أما الكذب الصغير، فتلك عادة يومية أقبح وأرذل أصبح الانفصاليون مدمنين عليها، ولا تخلو جلسة أو لقاء من جلساتهم ولقاءاتهم منها. حين سقط كل هذا بين أيدي النظام
الجزائري
جرّاء الانتكاسات المتوالية والمتتالية، سيلجأ إلى رفع درجة الكذب، في محاولة يائسة لاستدرار العطف “الإنساني” من هنا وهناك، بالترويج لتشبيه جدار الأمن المغربي في الأقاليم الجنوبية بالصحراء بالجدار الإسرائيلي في
فلسطين
المحتلة
مع أنه لا وجود للشبه أو التشابه على الإطلاق. لكن النظام
الجزائري
الذي لم يَتَنَاهَ بعد إلى علمه أن جدار
برلين
سقط وتهاوى، ما زال يعيش على إيقاع وثقافة الحرب الباردة التي كانت وراء إقامة هذا الجدار، ولتجسيده على أرض الواقع، شرع في بناء جدار عازل وفاصل، مجهّز بمختلف الأسلاك الشائكة والكاميرات والعيون الكاشفة والخنادق.. بينه وبين “المغرب الشقيق”. وبما أن النظام المذكور لا يستحي، فقد حوّل كل أجهزته إلى التنافس فيما بينها حول من يقدّم أكبر فرية، فكان الإخراج البئيس لمسلسل جديد يحمل عدة عناوين؛ مرة اسمه الاستعمار المغربي، ومرة الاحتلال المغربي، ومرة التوسّع المغربي مع أنه هو الذي يحتل أراضي مغربية في الصحراء الشرقية منحها له الاستعمار الفرنسي الذي يتباهى بمحاربته على طبق من ذهب؛ وهو الذي تعكس سياسته الرسمية التي تقوم على العداء الممنهج للمغرب المفهوم الحقيقي للتوسّع. فما الذي دفع هذا النظام، مثلا، إلى الهجوم على
موريتانيا
فيما يسمّى معركة
نواكشوط
في يونيو 1976، ومعركة تشلا في يوليوز 1979؟ كان الدافع لسببين رئيسيين لا ثالث لهما: منع
موريتانيا
من أيّ تقارب مع المملكة المغربية، وممارسة أكبر الضغوطات للاعتراف ب”جمهورية البوليساريو
الجزائرية
“؟ ولحد الآن، فإن
الجزائر
لا همّ لها سوى عرقلة أيّ محاولة تقارب مغربي موريتاني، وأيّ مسعى لإحياء التعاون المغاربي، لسبب بسيط جدا هو أنه ليس في مصلحتها. وهي تعرف ذلك. وعلامات ذلك في سياسة نظامها التي تقوم على محاصرة المغرب ومضايقته من دون أن يدرك أنه يحاصر نفسه ويضيّق الخناق أكثر على الشعب
الجزائري
. عود على بدء: ليس غريبا أن تلتقي أنظمة استبدادية في إسبانيا وليبيا
والجزائر
وتتفق من أجل كل هذا.
المصدر: النهار المغربية نشر في النهار المغربية

