من ارتعدت فرائصه، وتزلزلت الأرض تحت أقدامه، وفقد توازنه واتّزانه وفقد معها بوصلته، وسُدّت بصيرته وبصره، وغشيه العمى والحَوَل حتى أصبح يضرب أخماسا في أسداس، ويخبط خبط عشواء؟ كل هذا أحدثته إمارة المؤمنين في قلب القارة الإفريقية بمناسبة الجولة الملكية. تلك الصفة التي لم يكن البعض يضرب لها أيّ حساب أو يعطيها أيّ اعتبار، لدرجة أن أغلب التحليلات والتغطيات والقراءات انصبّت حول الحضور المغربي، ومسعى
الرباط
لتعديل معادلة التعاون التي قلبها الملك محمد السادس وجعلها تمشي على قدميها بعد أن كانت تمشي على رأسها من خلال إعطاء مفهوم آخر للتعاون بتكريسه على قاعدة
جنوب
جنوب بعد أن كان لا يخرج عن محور شمال
جنوب
، أي الشمال المتقدم في مقابل
الجنوب
الغارق في التخلف والتبعية. في نفس الآن كان لإمارة المؤمنين ذلك الحضور القوي الذي سيثير حنق البعض خاصة أنه يفتقد لأيّ سلاح لمواجهة هذه الصفة وما تحمله من معنى ومبنى، ومن دلالات وومضات لا يدركها إلاّ المؤمنون حقّا. لقد دفعت الريادة الدينية المتالّقة للمملكة المغربية في إفريقيا باريس إلى محاولة استنباط أسس وأبعاد وربما أخطار إمارة المؤمنين على الحضور بل النفوذ الفرنسي في القارة السمراء. ورأت باريس أن هذه الصفة وهي مفهوم ديني خالص أعطت للجولة الملكية أبعادا استراتيجية من الأهمية بمكان من شأنها أن تلعب دورا هاما ولافتا في التصدّي الحازم للتطرف الديني إلى جانب تعزيز الحضور المغربي من خلال تقوية العلاقات المغربية الإفريقية. في باريس، مثلا، اضطر الرئيس الفرنسي، فرانسوا هولاند، إلى المناداة على خبير بهدف الاستعانة به لفهم وإدراك معنى إمارة المؤمنين التي ألهبت حماس الأفارقة في مختلف الدول التي زارها الملك محمد السادس باعتباره أمير المؤمنين، علما أن هذه الصفة خاصة بالملك، وتقوم على شرعية دستورية وتاريخية لا وجود لنظيرها في العالم بأسره، وعلى الأخص في العالم العربي الإسلامي. هذا الاهتمام الفرنسي لم يأت من فراغ، خاصة أن الفرنسيين يعلمون علم اليقين ما أحدثته لهم إمارة المؤمنين من اختلال منذ أن فرضوا حمايتهم على المغرب، وهي الحماية التي خرقوها بأنفسهم حين قرروا تحويلها إلى استعمار خالص. وكانت تجربة نفي السلطان محمد بن يوسف تجربة مريرة بالنسبة لهم، ولم ينتبهوا إلى الخطأ الفظيع الذي ارتكبوه إلا بعد أن تأكد لهم أن الأمر لا يتعلق فقط بسلطان يمكن الانقلاب عليه، بل بأمير للمؤمنين من أجله يخرج شعب عن بكرة أبيه ليعبّر عن تشبثّه بالملك الشرعي ورفض أيّ بديل عنه رغم أن سلطات الحماية اختارت بعناية أحد الأقرباء ليصبح سلطانا وأميرا للمؤمنين، ولم تنصب رئيسا للجمهورية على البلاد. من هنا كان الخوف الفرنسي من رؤية انحصار وفقدان نفوذه في المنطقة. وليس غريبا أن يأتي ردّ الفعل قويا وخبيثا من باريس من خلال الإقدام على إرسال رجال شرطة مدجّجين بالسلاح إلى مقر السفير المغربي والمطالبة بمحاكمة مسؤول أمني كبير بدعوى تورطه في تعذيب أحد المعتقلين. وليس غريبا أيضا أن تخرج تصريحات تنسب تارة للسفير الفرنسي بالولايات
المتحدة
الأمريكية
، وتارة للسفير الفرنسي بالأمم
المتحدة
، لنعت المغرب بأرذل الصفات. خارج باريس، بلغت درجة الحنق مستوى الصرع الذي دفع بخصوم الوحدة الترابية المغربية لإرسال جواسيسهم إلى مختلف
العواصم
الإفريقية التي حلّ بها الملك، لترصّد الخطوات وإحصاء المبادرات. ولما تبيّن لهم أن الأمر أكبر وأعظم ممّا كانوا يتصورون، رجعوا منكسرين إلى معسكراتهم ليحكوا لرؤسائهم أن الأمر لا يتعلق بملك اسمه محمد السادس بل بأمير المؤمنين محمد السادس الذي كان بحضوره تبدأ الصلاة وبختم دعائه تنتهي في كل من
مالي
، وغينيا كوناكري، والكوت ديفوار، والغابون. هذا جانب ممّا خلّفته وأحدثته إمارة المؤمنين في دول الجوار التي أيقظت جميع أجهزتها لتحليل هذه الصفة ومتابعة نشاطها عن كثب. وما خفي كان أعظم.
المصدر: النهار المغربية نشر في النهار المغربية

