قضت المحكمة الابتدائية في الرباط بالحكم على الزميلة المساء بـ600 مليون سنتيم غرامة لفائدة أربعة وكلاء عامين للملك في مدينة القصر الكبير وبـ120 ألف درهم لفائدة الخزينة العامة بتهمة القذف. قضية كان من المنتظر أن يؤخذ فيها بعين الاعتبار الاعتذار الذي قدمته المساء للوكيل العام للملك، وأن يكون الحكم مخففا ومنسجما مع التوجهات المعلنة حول استقلالية القضاء، لكن يبدو أن هذا الحكم المفاجئ وغير المتوقع ترك المجال واسعا لطرح العديد من الأسئلة على مستقبل المكتسبات التي تحققت في مجال الإعلام في بلادنا، وعلى مستقبل القضاء أيضا. حكم قاس جدا مهما اجتهد البعض في تبريره، ومهما كانت الأدلة والاعتبارات التي استند إليها في الإدانة، خاصة وأن ملاحظات الدفاع كانت دقيقة في كشف هشاشة حصول واقعة التعيين في القذف، كما أن الأمر لا يتعلق بغرامة تحقق القصد من العقوبة خإن كان لها من وجه في هذه النازلة- وإنما يتعلق حقيقة بإزالة الزميلة المساء من الوجود، إذ كان يكفي التعويض عن الضرر الذي لحق أحد وكلاء الملك خوليس أربعة وكلاء- بمبلغ لا تشتم منه رائحة الرغبة في تدمير الجريدة. ولأن الحكم بلغ من القسوة ما لم يترك الفرصة لأحد أن ينفي وجود أهداف أخرى له تم اعتمادها عن وعي أو غير وعي، فإن تواتر مثل هذه الأحكام وبهذه الأرقام المالية الخيالية بات يفرض وقفة تصحيحية، يعبر فيها الجسد الصحفي بجميع أطيافه عن رفضه لهذه الأشكال في إدارة الصراع مع المنابر الإعلامية، والتي تعتمد أسلوب الانتقام المالي وإبادة الصحف وتشريد العاملين بها. كيفما كان الخطأ الذي ارتكبته الزميلة المساء أو أي جريدة أخرى في نقل الخبر ، فإن ذلك لا يسوغ الحكم باسم التعويض عن الضرر أو التشهير بهذه المبالغ الخيالية التي لا يفهم منها سوى الرغبة في تصفية الحساب مع الصحافة، خاصة وأن دورها حيوي في إصلاح الشأن العام وترشيد السياسات العمومية وفي تنمية روح الرقابة عند المجتمع، وما لم يرتفع المسؤولون في مختلف المؤسسات بما فيها القضائية إلى مستوى فهم دور الصحافة ووظيفتها فإن هذا الحكم لن تكون نتيجته سوى تكريس التراجع في كل المكتسبات التي حققها المغرب في المجال الإعلامي، وتنمية الشعور لدى الرأي العام بأن هناك ارتدادا عن المسار الديمقراطي بدأ يطال كل المجالات بدءا بالقضاء وانتهاء بالإعلام. الواقع أن الجسم الصحافي ببلادنا مدعو للوقوف بعمق عند هذا الحكم، والذي يعكس حالة متنامية من اللجوء إلى القضاء إما بتوجيه سياسي أو شخصي، وتستفيد من المنظومة القانونية الحالية لتشديد الخناق على العمل الصحافي بالمغرب، وإعاقة قدرته عن الاشتغال بفعالية، وهو ما يتطلب تفكيرا عميقا يستثمر عملية المراجعة الحالية لقانون الصحافة لوضع الضمانات الكفيلة بأن لا يكون جبر الضرر أداة لجلب ضرر أكبر منه، وفق ما نصت عليه مبادئ الشريعة والقانون حيث لا ضرر ولا ضرار.
المصدر: بلال التليدي نشر في التجديد

