عرف النزاع الذي افتعلته
الجزائر
حول الصحراء المغربية منذ أكثر من ثلاثين سنة، لأغراض في نفوس أسياد قصر المرادية ، تطورا لافتا خلال السنة الأخيرة على الأخص ، وذلك بالنظر إلى التطورات التي طرأت على الساحتين الإقليمية والدولية ، وهي التطورات التي كان لها تأثيرها الواضح على ميزان القوى بين مختلف أطراف النزاع.وإلى جانب الأوجه ذات الطبيعة القانونية الصرفة ، هناك اعتبارات ذات طبيعة جيوسياسية جاءت لتنزل بثقلها في سياق إقليمي ودولي خاضع للتغيير. من أهم ما يمكن الإشارة إليه في هذا الصدد الموقف الذي أقدمت عليه عدد من الدول على وجه التحديد في منطقة
أمريكا
اللاتينية التي ظلت
الجزائر
تعتبرها حصنا حصينا لها ، وقلعة خاصة بها وبأتباعها والموالين لها في دعم أطروحتها الداعية للانفصال. وقد عرفت سنة 2013 سحب عدد من دول المنطقة اعترافها بما يسمى ب”الجمهورية الصحراوية”. نذكر من بينها هايتي ، باناما ، الباراغواي ثم جزيرة موريس في القارة الإفريقية. وكانت
كولومبيا
من أوائل الدول التي فعلت ذلك سنة 2001. لقد انطالت حيل النظام
الجزائري
على هذه الدول وغيرها زمنا قبل أن تتمكن من معرفة الحقيقة التي توصلت إليها واقتنعت بها ، والتي تتمثل في أن المنطقة المعروفة جغرافيا بالصحراء الغربية إنما هي جزء لا يتجزأ من التراب المغربي الذي يوجد في جنوبه ، وإقليم من أقاليمه التي استرجعها المغرب بعد مفاوضات مع المحتل الإسباني ، وخصوصا بعد تنظيم المسيرة الخضراء التي شارك فيها مئات الآلاف من المغاربة من أجل استرجاع هذا الجزء المحتل. لكن ، لماذا سحبت هذه الدول اعترافها بتلك الجمهورية المزعومة ؟ لقد بادرت غلى ذلك ليقينها أن الجمهورية المذكورة لا توجد سوى في أوهام من اختلقوها، ثم لأنها لا تشكل هوية سياسية ذات سيادة حسب منطوق القانون الدولي. ولا تتوفر على تراب ولا على أرض ولا على سكان
فالجزائر
رسمت لهذا المخلوق العجيب ما أرادت أن ترسمه وقدمته كأنه دولة حقيقية وجعلت عناصر انفصالية تثق فيه وتعتمده ككيان خاص بها . ولعل المتتبع ، مثلا، للبيان الذي نشرته حكومة باناما بمناسبة سحب اعترافها بهذا المخلوق ، يبين حقيقة الخطأ الذي وقعت فيه الدول التي تم تضليلها في هذا الصدد . وهو نفس الأمر الذي سارت عليه الدول اللاحقة التي كانت لها ما يكفي من الشجاعة للاعتراف بالخطأ والانضمام إلى جانب الشرعية الدولية، مع العلم أن المسلسل الذي شرعت فيه
الأمم
المتحدة
ما زال جاريا. من الناحية الجيوسياسية، تأتي هذه الموجة من سحب الاعترافات بجمهورية الوهم في إطار سياق إقليمي تميز بالأزمة التي تعرفها منطقة الساحل وتأثير ذلك على الاستقرار والأمن في كامل المنطقة . ولا غرابة في هذا ما دام أن الجميع اليوم أصبح يتحدث عن تورط عناصر تابعة ل”البوليساريو” في الأعمال الإرهابية التي تمت بالمنطقة التي قادها متطرفون يزعمون الجهاد. بناء على هذا ، انكشفت فضيحة “الجمهورية الصحراوية” ، بل إن الخطاب الذي روجته
الجزائر
حول نشوء هذه الدولة لم يعد يلقى الآذان الصاغية ما دام أن لا أحد أصبح يقبل بالمس بالتوازن الجيوسياسي الذي من شأنه إلحاق أكبر المخاطر بالمنطقة. معنى هذا أيضا انتصار الواقعية في العمل السياسي والدبلوماسي ؛ كما يعني نجاح المقاربة المغربية للنزاع المفتعل ، تلك المقاربة التي تقول بمنح الحكم الذاتي للأقاليم الجنوبية في الصحراء . وهي المقاربة التي وجدت ترحيبا ، بل دعما وتأييدا من طرف المجموعة الدولية وفي مقدمتها القوى الكبرى في العالم. وهو الاختيار الذي ما فتئ يلقى التأييد على الساحة الدولية . حمادي الغاري
المصدر: النهار المغربية نشر في النهار المغربية

