من الواضح أن الزعماء الأكراد قد قرروا استثمار الحاجة الشيعية إليهم على نحو قذر بعض الشيء، في تنكر لوعودهم التي قطعوها لزعماء العرب السنة خلال أزمة الدستور.
من العوامل المهمة التي ترسخ الحضور الكردي في لعبة ترتيب الأوراق للمرحلة الجديدة ذلك الخلاف بين زعماء الشيعة على اسم رئيس الوزراء، وبالطبع بين ممثل المجلس الأعلى (عادل عبد المهدي) وبين ممثل حزب الدعوة (إبراهيم الجعفري)، وبالطبع في ظل الفيتو الكردي السابق على الجعفري بسبب التجربة غير المشجعة معه في الحكومة الحالية، وهو فيتو يمكن أن يحرمه من المنصب رغم فرصته الكبيرة بانحياز الصدريين داخل الائتلاف إليه. وقد كان لافتاً للنظر أن يرحل الحكيم والجعفري إلى الشمال كلاً على حدة، على رغم أنهما يمثلان ذات الائتلاف. مما يزيد في حضور الأكراد في اللعبة أيضاً حاجة الائتلاف الشيعي إليهم من أجل ضمان حكومة مستقرة، لاسيما وأن مجموع أصواتهم وأصوات العرب السنة إلى جانب كتلة علاوي تساوي عملياً نصف الجمعية الوطنية، فضلاً عن أن مطالبهم (أي الأكراد) ليست مرتبطة بتوزيع الوزارات كما هو حال العرب السنة الذين يريدون وزارات مهمة من بينها وزارات سيادية، إذ أن ما يعني الأكراد المنفصلين عملياً بدولتهم الخاصة هو استمرار الوضع الراهن من حيث الاستقلال العملي المعطوف على ارتباط يمنحهم من المزايا أكثر مما يأخذ منهم من الواجبات، إلى جانب قضية كركوك الأكثر محورية بالنسبة إليهم. على هذه الخلفية كانت المساومة، أكان مع الحكيم أم مع الجعفري، فالشيعة وبخاصة تيار الحكيم يريد ضمان الفيدرالية، ويخشى من صفقة كردية مع العرب السنة وعلاوي تحصرها في الشمال، لاسيما بعد إضافة فقرة في الدستور تسمح بإعادة النظر في بنوده في الجمعية الوطنية الجديدة ، كما يريد الاستمرار في سياسة اجتثاث البعث، مستنفراً ثارات الأكراد معهم، ومذكراً بأن المعاناة كانت واحدة بين الشعبين؛ الشيعي الكردي. وفيما لم نعرف ما الذي قدمه الحكيم للأكراد فيما خص كركوك، فقد جاء الجعفري برأي يقوم على جعلها من صلاحيات الحكومة القادمة، وبالطبع بعد إحصاء سكاني يتوقع أن ينتصر لرأي الأكراد بعد التطهير العرقي الذي مارسوه في المدينة منذ مجيء الاحتلال إلى الآن. وفيما يحضر الائتلاف برأسيه (الحكيم والجعفري) في المداولات، فإن طرفاً أساسياً من أطرافه ما زال غائباً عنها، أعني التيار الصدري الذي يرفض، أقله إلى الآن، منطق تكريد كركوك من جهة، في ذات الوقت الذي يميل إلى رفض الفيدرالية بصيغتها الشاملة، مع أن ضعف رموزه من الناحية السياسية قد يرجح تمرير ما يتفق عليه الطرفان الكردي والشيعي، أكان من خلال الحكومة أم من خلال الجمعية الوطنية، لاسيما وأن مجموع مقاعد العرب السنة إلى جانب علاوي لن تتجاوز ال 80 مقعداً من أصل 275، فيما لن تصل النصف حتى لو أضيفت إليها مقاعد الصدريين ، بفرض تمردهم على خياراته السياسية، الأمر الذي لا يبدو مضموناً في واقع الحال. هكذا سيجد ممثلو العرب السنة أنفسهم رهائن بيد التحالف الكردي الشيعي، ما يعني أن حصتهم من الكعكة ستكون محدودة، لاسيما وأن حراكهم من أجل تغيير نتائج الانتخابات لن يفضي إلى شيء على ما يبدو، حتى في ظل مجيء اللجنة الدولية الجديدة المشكلة من خبيرين من الجامعة العربية وآخرين من الاتحاد الأوروبي. سيكون ذلك بالطبع من سوء طالع المحتلين، لأن ما عولوا عليه من الانتخابات لن يحدث، بل ربما وقع العكس، إذ ستكثر في الجمعية الوطنية الأصوات المطالبة برحيلهم، في حين ستتواصل المقاومة، ليس فقط لأنها خيار الشرفاء في العراق، ولكن أيضاً لأن وضع العرب السنة لن يغدو أفضل بكثير بعد دخولهم العملية السياسية ومشاركتهم الهامشية في الحكومة الجديدة .
المصدر: ياسر الزعاترة نشر في التجديد

