“حضارة” 300 سنة تدمر حضارة عمرها 000. 10 سنة دخل الرسام العراقي “مؤيد الحيدري” إلى أحد المتاحف المنهوبة وقال، وهو يغالب دموعه، بعدما وقف على حجم الدمار الذي لحق تراث ما بين النهرين: “كان هذا عملا منظما، لم يكن مجرد سرقة، الهدف أكبر من هذا “، وقال منهل جبر مدير الآثار القديمة والتراث عندما دخل إلى متحف الموصل المنهوب هو الآخر :”لقد أحسست باليأس، بل بكيت”، وأرسل أحد المثقفين الأمريكيين رسالة الكترونية إلى صديقه العربي قال له فيها: ” أشاركك الشعور بالحزن والأسى للدمار والسرقة التي تعرضت لها آثار العراق، لقد وجدت نفسي أبكي عند مشاهدتي للمناظر التلفزيونية التي بثت للمتحف العراقي عند سرقته ونهبه، وشعرنا جميعا كأثريين بالحزن والأسى لتدمير هذا التراث العظيم”. إن هذا الشعور بحجم الدمار الذي ألحقه “المتحضرون” باسم “التحرير” بذاكرة العراق العريقة لم يتجاوز العلماء والباحثين والمهتمين و بعض المثقفين، والسبب ان الولايات المتحدة الأمريكية ، التي تملك وسائل الإعلام العالمية، تهول “جرائم” الخصم المسلم بالتركيز والتضخيم وتجيش العالم من أجل الشجب والتنديد، كما فعلت مع نظام طالبان عندما قرر تدمير تمثالين لبوذا، وتهون من جرائمها الكبيرة وتقوم بعمليتي التعتيم والتضليل اللتين تتقنهما، وكل ما يمكن أن يتسرب من حقائق هنا وهناك فأكيد أن ما خفي منها أعظم . في صباح يوم الثلاثاء 11 شتنبر 2001 هز الولايات المتحدة الأمريكية زلزال عنيف أتى على برجيها العظيمين من القواعد، فمع انهيار برجي مركز التجارة العالمي في ذلك اليوم الأسود في تاريخ الأمريكان انهارت أعصاب الشعب الأمريكي ومحبيه، وكذا أعصاب إدارته وأجهزتها الأمنية الحساسة، واختفي بوش الصغير عن الأنظار، وبعد ظهوره أعلن أن الولايات المتحدة الأمريكية في حالة حرب، وأنها ستتعقب الفاعلين أينما كانوا وأنه سيدشن حربا صليبية على “الإرهاب”، ولما كان معظم “الإرهابيين” من المسلمين فقد قرر بوش الصغير ومن وراءه تجفيف منابع الفكر “الإرهابي” من جذوره وأصوله على الأراضي التي “ترعاه”، وكانت أولى عملياته الانتقامية: الإطاحة بنظام طالبان ليعلن على الملإ محور الشر العالمي و(العراق وإيران وكوريا الشمالية) وليستمر في قطف الرؤوس. وفي صباح يوم الأربعاء 9 أبريل 2003 فوجئ العالم بالسقوط غير المنتظر لمدينة بغداد، ومع انهيار نظام صدام حسين في ذلك اليوم، انهارت معه الثقة في النظام الرسمي العربي وفي جيوشه الباسلة التي تلقي السلاح وتلتحق بالعدو في أول فرصة للخيانة لتدخل التاريخ من أبوابه الخلفية. وإذا كان انهيار نظام صدام حسين بعموديه (الجيش الجمهوري وفدائيو صدام) هو بعض الرد الأمريكي على انهيار برجي مركز التجارة العالمي فإن ما يهمنا في هذا التحليل هو ما حدث يوم الاثنين 14 أبريل 2003 من تدمير شامل لتاريخ وتراث العراق الشقيق. وهنا ينتصب السؤال الذي نحاول الإجابة عنه، ما دام العراق قد سقط في أيدي الغزاة، وأمن العدو حقول النفط التي تهمه، فلماذا قام بنهب المتاحف وحرّق المكتبات ودمّر المواقع الأثرية؟ كنوز لا تقدر بثمن لن ندرك حجم الجريمة التي اقترفها الغزاة إلا باستحضار القيمة والكنوز التي تختزنها بلاد ما بين النهرين، وعمر الحضارة وعمق الذاكرة التي قام العدوان الأمريكي البريطاني بتدميرها. فبلاد الرافدين (ما بين النهرين) تضم كهف شايندر الذي وجد فيه هيكل عظمي كامل الجمجمة لإنسان العصر الحجري الذي عاش في تلك المناطق. وتمتد أرض العراق بحضاراتها إلى الألف الخامسة قبل الميلاد. أما متاحفها فتضم أروع ما صنعته يد الإنسان، ويشير الخبراء إلى أن العراق يعد من أثرى مناطق العالم أثريا، ففيه بدأت الحضارة قبل حوالي سبعة آلاف عام وفيه ظهرت الكتابة المسمارية، كما يؤكد المؤرخون أن بلاد ما بين النهرين تعد إحدى أقدم الحضارات التي عرفها الإنسان على مدار تاريخه الطويل، وتضم مكتبات العراق الألوف من المجلدات والكتب والمخطوطات بعضها الوحيدة المتوفرة في العالم، بما في ذلك مكتبتا الكونغريس والمكتبة البريطانية، وقد وصف أحد الكتاب مكتبة العراق الوطنية بأنها “مرآة حقيقية لتاريخ العراق”، وتوجد في المتحف العراقي شرائع (أورنمو) التي هي أقدم من شرائع (حمورابي) بحوالي 2000 سنة، و أشار الدكتور طالب البغدادي (الخبير الدولي البارز في الآثار والتراث) في برنامج “ما وراء الأحداث” على قناة “الجزيرة” أن نفس المتحف يضم أول مولد كهربائي عرفه الإنسان. ومعروف أن أرض العراق تضم 25 ألف موقع أثري، وفيها أقدم منطقة زراعية وصناعية وفي العراق اخترعت الكتابة والنقش في العمارة، وبه ظهرت أولى أسس التعليم المنظم والمنظومات القانونية، وفي العراق تم التوصل إلى أولى الاكتشافات الطبية والكيميائية والرياضية والفلكية بالإضافة إلى فنون الأدب. ومعلوم أن المتحف الوطني العراقي كان يضم قطعا أثرية يعود عمرها لعشرة آلاف سنة مضت، ولا تقدر المجموعات الأثرية التي تنتمي لعهد السومريين والبابليين والآشوريين بثمن، كما كانت المتاحف الأخرى تضم آثار مدن بابل وأورونينوى القديمة. أم الجرائم: نهب وحرق نحو مليون طن صدق من وصف ما اقترفته أيدي الغزاة الآثمين ب “أم الجرائم”، ولكن هناك من شعر بهول الخسارة ولم تقنعه كلمة “كارثة” لوصف ما قام به الغزاة ضد تاريخ العراق وحضارته، حيث قال أحدهم “إن كلمة كارثة لا تكفي لوصف سرقة وتدمير متحف الذاكرة البشرية الأولى”،واسترسل:” لابد أن هناك كلمة أخرى لم تخترع بعد لوصف سرقة أو تدمير نحو 160 ألف قطعة ترقى إلى العهود السومرية والآشورية والبابلية”. فالخسارة ليست كبيرة فقط وإنما لا تعوض كما قالت جريدة “السفير” اللبنانية، وكان روبرت فيسك (مراسل الأندبندنت الشهير) شاهدا على الجريمة، ويحكي ما رآه بقوله: “لقد كان حرق الكتب الفصل الأخير من نهب بغداد، فقد تحولت دار الكتب والمحفوظات الوطنية إلى رماد في درجة حرارة 3000، وهي كنز لا يقدر بثمن… ثم أضرمت النيران في مكتبة القرآن لدى وزارة الأوقاف”. وأضاف روبت فيسك “مع الشروع بتدمير الآثار القديمة في متحف الآثار وحرق دار المحفوظات الوطنية، ثم مكتبة القرآن، فإن السنة هي السنة صفر بالنسبة للعراق”. إن هوية العراق الثقافية قد محيت لماذا؟ لماذا أشعلت فيها النيران؟ لأي غاية جنونية تم تدمير هذا التراث؟”. لقد تم نهب وحرق نحو مليون طن من المحتويات النادرة من وثائق ومخطوطات. وقال مدير المكتبة الوطنية العراقية شاكر الجزاعي وهو يمسك بحفنة من الرماد >لقد حرقوا تاريخ هذا البلد.. الآن نقف هنا لنبدأ من الصفر.. لقد دمروا ذاكرتناإن “إسرائيل” وأمريكا ليستا بعيدتين عما حصل، إذ لم تكثف قوات الغزو بمشاهدة كل ما يحصل وإنما حمت اللصوص ويسرت لهم أن يحملوا مسروقاتهم ويهربوا بها، وما تعذر حمله حطم أو أحرق..إن الذي قام بهذه الفعلة الشنعاء ليس الرعاع واللصوص وإنما الولايات المتحدة وإن استعملت أيدي الآخرين”. كان لا بد من الوصف في البداية قبل أن ننتقل إلى التفسير في عدد لاحق إن شاء الله. إسماعيل العلوي
المصدر: التجديد نشر في التجديد

