إذا تحدث النقاد عن فكرة فوكوياما وأنها مكررة وموقف طبيعي لكل منتصر، وسبق أن قالتها كل الشعوب التي غلبت، فإن شخصية فوكوياما كأي شخصية لا تتكرر، فبعد التعرف على الشخص ندخل إلى الفكرة، جديدة كانت أم معادة، وهنا لا نؤمن بفصل الشخص عن الفكرة، ولا أي مدرسة فكرية عن محيطها، إلا في حالات إن صدقت شذّت، ولم يبن عليها قواعد. وأشير إلى مقاطع قلّ ذكرها عند من سبق في مناقشاتهم هنا، وهي معلومات عامة، دوري فيها دور الجمع والتركيز على ما يهمني، وإن حدث تكرار فهو بسبب حاجة النص إلى التماسك.
هنا نشأ فوكوياما هاجر جده لأبيه من اليابان إلى أمريكا واستوطن في لوس أنجلس عام 195م، حتى لا يجند في الحرب الروسية اليابانية ، أما أبوه فقد ولد في لوس أنجلس، وله إلى الآن مطاعم فيها لم يزل يديرها، والده يحمل الدكتوراه في علم الاجتماع، وعمل رجل دين في إحدى الكنائس، ثم عمل بعد الحرب العالمية الثانية مبشرا ثلاث سنوات، ثم عمل في تركيا مدرسا للغة الإنجليزية، وهي مهنة محببة لدى المبشرين، لأنها أحسن المداخل للتبشير. أمه هاجرت لأمريكا عام ,1949 ثم استقرت العائلة في نيويورك حينا من الزمن، ولد فرنسيس فوكوياما عام 1952م، كان وحيد والديه، ولم يرث منهما اللغة اليابانية ، وفي نيوروك درس في مدرسة خاصة، معظم طلابها من اليهود، وفوكوياما الابن لا يعد متدينا ولا مبشرا، أما أفكاره فتسيح في عوالم كثيرة، لا تبتعد عن الكنيسة، ولا تستسلم لها. درس بعدها في جامعة كورنيل، ثم في هارفارد، وبعد تخرجه منها لم يعمل في التدريس، وربما لأنه يرى في تدريس العلوم السياسية أو أي علم بعدا عن السياسة العملية، ذلك أن السياسة العملية تمارس في الحكومة وفي مراكز الدراسات وفي الشركات، أما الجامعات فإنها تتشبع بدراسة النظريات، وهنا أشير إلى أن الجامعة الغربية عموما، مهما تكن نظرية، فإنها أكثر عملية من الجامعات في البلدان الضعيفة، وتجد طاقمها في العلوم الإنسانية قريبا من صناعة الحدث. تتلمذ فكريا ولا أتوقعه تتلمذ شخصيا على شيخ المحافظين الجدد شتراوس، الأستاذ اليهودي الذي درس في جامعة شيكاغو، والذي أنتج تلاميذ زادوا عن مائة دكتور، وبقيت بينهم روابط استراتيجية إلى اليوم، وتربطه صداقة متينة ببول وولفوتز، نائب وزير الدفاع السابق، ثم رئيس البنك الدولي حاليا، وهو يهودي متطرف في صهيونيته، والابن الروحي والوريث لشتراوس، وهناك في شيكاغو كانت المدرسة التي درس فيها جنبا إلى جنب وولفوتز وأحمد الجلبي عام 1964م، ثم ارتبط بهم أيضا الأفغاني خليل زاد، المنتدب للعراق الآن من قبل المجموعة. ويسوق فوكوياما، في مقال له طريف قصة علاقته بالمحافظين الجدد وأنه في التسعينات كانت هناك نواد نشطة في واشنطن العاصمة، منها اللقاء السنوي لمجلة ناشونال إنترست، التي نشر فيها مقالة: نهاية التاريخ، وهي في الأصل محاضرة في جامعة شيكاغو، بالاسم نفسه، ثم أصبحت أصلا للكتاب الموسع في الفكرة نفسها، وكان يحضر هذه الاجتماعات هنري كيسنجر، وبول وولفوتز، وآل كرستول الابن والأب، ودانيال بايبز، وجين كيرباتريك، وتشارلز كروثامر، وإليوت كوهين، وكما يقول فوكوياما: >يستضيف هذا اللقاء المفكرين المحافظين والكتاب والفاعلين، ويحضر اللقاء كل من أصبح يطلق عليهم وصف: (المحافظين الجدد) فيما بعدأنه يفضل الصهيوني المتطرف بول وولفوتز من المحافظين الجدد الذي كان كما يقول مديرا للجامعة التي كان يعمل فيهالن نستطيع أن نشارك أو ننشر تأثيرنا حول العالم إلا إن نكون قادرين على تدريب غير الأمريكان ليروا الأشياء من منظورنا، أو نساعدهم ليكتسبوا الوسائل العقلانية التي تجعل التحليل الهادئ أو النزيه ممكناصحيح أن الإسلام يشكل إيديولوجية متسقة ومتماسكة شأن الليبرالية والشيوعية، وأن له معاييره الأخلاقية الخاصة به ونظريته المتصلة بالعدالة السياسية والاجتماعية. كذلك فإن للإسلام جاذبية يمكن أن تكون عالمية، داعيا إليه البشر كافة باعتبارهم بشرا لا مجرد أعضاء في جماعة عرقية، أو قومية معينة. وقد تمكن الإسلام في الواقع من الانتصار على الديمقراطية الليبرالية في أنحاء كثيرة من العالم الإسلامي، وشكل ذلك خطرا كبيرا على الممارسات الليبرالية حتى في الدول التي لم يصل فيها إلى السلطة السياسية بصورة مباشرة. وقد تلا نهاية الحرب الباردة في أوروبا على الفور تحدي العراق للغرب، وهو ما قيل (عن حق أو عن غير حق) إن الإسلام كان أحد عناصرهغير أنه بالرغم من القوة التي أبداها الإسلام في صحوته الحالية، فبالإمكان القول: إن هذا الدين لا يكاد يكون له جاذبية خارج المناطق التي كانت في الأصل إسلامية الحضارة. وقد يبدو أن زمن المزيد من التوسع الحضاري الإسلامي قد ولى. فإن كان بوسع الإسلام أن يكسب من جديد ولاء المرتدين عنه، فهو لن يصادف هوى في قلوب شباب برلين ، أو طوكيو، أو موسكو ، ورغم أن نحو بليون نسمة يدينون بدين الإسلام (أي خمس تعداد سكان العالم) فليس بوسعهم تحدي الديمقراطية الليبرالية في أرضها على المستوى الفكري. بل إنه قد يبدو أن العالم الإسلامي أشد عرضة للتأثر بالأفكار الليبرالية على المدى الطويل من احتمال أن يحدث العكس، حيث إن مثل هذه الليبرالية قد اجتذبت إلى نفسها أنصارا عديدين وأقوياء لها من بين المسلمين، على مدى القرن ونصف القرن الأخيرين. والواقع أن سبب الصحوة الأصولية الراهنة هو قوة الخطر الملموس من جانب القيم الغربية الليبرالية على المجتمعات الإسلامية التقليديةالدولة الوحيدة التي طرحت التراث الإسلامي جانبا في صراحة تامة، واختارت مع بدايات القرن العشرين إقامة مجتمع علمانيولم تكن حركة إحياء الأصولية الإسلامية التي ظهرت مع الثورة الإيرانية عامي 1978 و1979 مجرد حالة من حالات استمرار القيم التقليدية في العصر الحديث. ذلك أنه كان قد سبق خلال المائة عام الماضية أن ألحقت الهزيمة الساحقة بهذه القيم العفنة المتهاوية. وإنما كانت حركة الإحياء هذه تأكيدا جديدا للحنين إلى مجموعة من القيم الأكثر عراقة ونقاء يقال إنها كانت قائمة في الماضي البعيد، وأنها غير القيم التقليدية للماضي القريب الذي ثبت فسادها، وغير القيم الغربية التي نقلت إلى الشرق الأوسط في صورة شوهاء، وفي كل هذا نرى تشابها أكثر من أن يكون سطحيا بين الأصولية الإسلامية والنازية الأوربية… ولا يمكن إدراك قوة الإحياء الإسلامي إلا إن أدركنا عمق الجرح الذي أصاب كبرياء المجتمع الإسلامي بسبب فشله المزدوج في الحفاظ على تماسك المجتمع التقليدي، والتمكن من تمثل تقنيات الغرب وقيمه<، .21 إن موقفه السابق موقف عنصري متعال، فهو صاحب القيم المنتصرة على أي حال، وهي أفكار يشعر المسلمون تجاهها بالجرح لخسرانهم لقيمهم، والإسلام إيديولوجية لا تجذب أحدا، من الشعوب العليا في برلين ، أو طوكيو، أو موسكو؟؟ ترى لماذا يجن جنون الحكومات الغربية من انتشار الإسلام، ومدارسه، وتسن القوانين التي تمنع مظاهره وتمنع انتشاره، وتجرم أهله، وتطارد دعاته؟ ثم هو يعبر صراحة وضمنا عن كراهته لهذا الدين الذي نشأ على كراهته، ثم يبجل تركيا التي اطرحت الإسلام الذي يكرهه. د. محمد الأحمري * للمزيد من معرفة أعماله وما يتعلق ببعض ما ذكر تراجع صفحته على الأنترنت، ولمزيد من معرفة بعض التفصيل حول هذا راجع مقالة: بن بيكر عنه، ومقالته: لحظة المحافظين الجدد المنشور في مجلة ناشيونال إنترست، المقالة موجودة على موقع المجلة.
المصدر: التجديد نشر في التجديد

