“النبوغ المغربي في الأدب العربي هذا عنوان اختاره العلامة سيدي عبد الله كنون لدراسته التي سجل فيها مختلف مظاهر النبوغ المغربي في الأدب ، ساعيا إلى محاولة تفنيد رأي أولئك الذين لم يقدروا للمغرب نبوغه في هذا المجال ولم يروا في أهل المغرب إلا صدى لما ينتجه أهل المشرق .
قضية ضعف اطلاع المشارقة على الوقائع المغربية تأخذ اليوم بعدا آخر لا يرتبط فقط بالحياة الفكرية بل بالحياة الخلقية . إذ القضية اليوم لم تعد ترتبط بحقل الإبداع وبالصورة المرتسمة عنه في ذهن المشارقة بل بصورة أخرى غير حقيقية نقلتها بعض النساء المغربيات اللواتي لا يمثلن حقيقة المرأة المغربية عن كل النساء المغربيات وعن الوضع الديني والخلقي في المغرب ولم تكلف الجهات المعنية نفسها العمل على الحد من إساءة أولئك السفيرات لكرامة المغاربة والمغربيات. في سنة 1978 بينما كنت في زيارة للأستاذ عبد الكريم مطيع الذي كان مقيما في مكة المكرمة فوجئت به وقد كنا نمتطي سيارة أجرة وهو يرد بغضب وعنف على سائق الطاكسي الذي ظننت أنه إنما سألنا سؤالا بريئا عن حالة الزواج في المغرب. غير أن عبد الكريم مطيع أفهمني بعد ذلك حسبما فهمه هو أن سؤال السائق كان مغرضا ومعرضا بشرف بنات المغرب . كانت ظاهرة توافد بعض الخليجيين على المغرب في تلك الأثناء وحكايات فجورهم تزكم الأنوف ، وكانت إثارة الموضوع في تلك الظروف بالطريقة التي أثارها السابق المذكور مدعاة للحساسية ومثيرة للريبة. مر على الحادثة المذكورة اليوم أكثر من ربع قرن ، ووجدتني أتفهم رد الفعل ذاك كلما أثار معي بعض الأصدقاء من مصر والبلاد العربية قضية الوضع الخلقي في المغرب ومظاهر التغريب ، وتساءلواعن الدور الدعوي والتربوي للحركة الإسلامية في مواجهة هذه الظاهرة . حصل ذلك في الشهور الأخيرة خلال زيارتين قمت بهما للعاصمة الأردنية للمشاركة في ندوات فكرية وعلمية ، حيث كان أحد كبار فضلاء الجامعيين المصريين يطرح معي لما التقيته في المناسبتين قضية الصورة المشينة التي تقدمها بعض فتيات ونساء المغرب ممن يذهبن إلى بعض دول المشرق العربي ودول الخليج ، إلى الحد الذي فرضت فيه دولتان عربيتان قيودا صارمة فيما يتعلق بإعطاء التأشيرة للمغربيات . وسألني صديقي الجامعي المصري عن موقف الحكومة المغربية وهل تنوي أن تتخذ إجراءات معينة من أجل الحد من هذه الظاهرة ؟ كان صديقي المصري يتكلم كذلك بمرارة عما عاينه في إيطاليا من المهاجرات المغربيات ، خاصة وهو يتردد كثيرا على إيطاليا ومتابع لأوضاع الجاليات العربية ووضع الجالية المغربية . لم يكن صاحبي هذا مغرضا كما كان سائق الطاكسي المذكورأو على الأقل كما فهم ذلك مرافقي آنذاك ، ولكن في كلتا الحالتين كنت أحس بحرج كبير ، وكنت أجهد في أن أبين بأن تلك الصورة ليست هي الصورة الحقيقية للمرأة المغربية وأنا أقر مع نفسي أن جانبا كبيرا مما يطرحه علينا أصدقاء من المشرق ينطبق على واقع هؤلاء الفتيات والنساء اللواتي لا تكاد تخطئهن عين الإنسان إذا سافر ذهابا أو إيابا في رحلة إلى بعض الدول الخليجية . ولم يعد الحديث عن ازدهار شبكات تهجير فتيات مغربيات أو إلى بعض تلك الدول تحت مظلات عقود تشغيل مشبوهة خافيا، كما لم يسلم موسم الحج والعمرة من تلك الظاهرة المشينة ، وغدا البعض ينصح النساء المغربيات خلال الموسمين بتجنب الخروج بالجلباب المغربي اتقاء للشبهة وسلامة من أعين وألسنة بعض الذين في قلوبهم مرض. صادف حواري مع صديقي المصري ليلة بث القناة الثانية لإقصائيات مسابقة تجويد القرآن التي تنظمها بشراكة مع وزارة الأوقاف التي التقطها اتفاقا وأنا أريد متابعة آخر أخبار المغرب عبر فضائية القناة الثانية . كان كل شيء جميلا في المسابقة سواء من الشباب المغربي الذي أبدع في التجويد في أجواء عالية من الخشوع، أو من المُقَدمين الذين تكاملوا في نقل تلك الأجواء وفي التنسيق بين الفقرات ، أو من لجنة التحكيم التي بدا أنها مكونة من متخصصين في العلم ومن أستاذ قارئ شاب لطالما شنف أسماعنا في افتتاح الدروس الحسنية على عهد الملك الراحل الحسن الثاني رحمه الله ، أو في فرق الإنشاد التي أبدعت في مدح الرسول صلى الله عليه وسلم وذكر شمائله بالأمازيغية. نزلت السهرة القرآنية على نفسي بردا وسلاما بعد غصة بقيت في الخاطر بعد حواري مع صديقي المصري، وتمنيت دوام هذه الصحوة واتساعها لتشمل مجالات أخرى هممت أن أتصل به لولا أن الوقت كان متأخرا بحسب التوقيت الأردني كي أطلب منه متابعة البرنامج المذكور ولأستدل له بذلك على أن المغرب الحق والمغرب العميق هو مغرب الصالحين والعلماء المصلحين والقراء والمبدعين في جميع المجالات بما فيها الأدب ممن تكلم عنهم عبد الله كنون في النبوغ المغربي ، وأن أؤكد له ان المشكلة تكمن في الصورة التي يقدم بها المغرب لإخواننا المشارقة وغيرهم ، وفي نوع من النبوغ المغربي يريد البعض أن يقدم المغرب من خلاله للعالم العربي والعالم كله ، فمن الطبيعي في ضوء عدم اكثرات السلطات المغربية باتخاذ ما يلزم من الإجراءات لحفظ صورة المغرب وسمعة نسائه العفيفات، وفي ضوء استدراج تلفزتنا إلى اقتفاء طريق الصورة السلبية من (تلفة) الواقع والاقتداء ببعض القنوات التجارية أن تكون بعض الفتيات من ذلك الصنف المغرر بهن السفيرات الأكثر حضورا في ترويح صورة مشينة ومسيئة للواقع المغربي الحق ولا حول ولا قوة إلا بالله!. محمد يتيم
المصدر: التجديد نشر في التجديد

