اهتمت وسائل الإعلام، العالمية منها والعربية، في الأيام القليلة الماضية بانتفاضة الصينيين والكوريين ضدا على التزوير الياباني لتاريخهم. كيفما كان تفسيرنا لهذا الحدث ولأسبابه الظاهرة والخفية، فإنه يبرز حرص الأمم الحية على مراقبة كل ما يمس وجودها الحضاري ويزلزل ذاكرتها وهويتها حتى وإن ارتبط الأمر بإشارة عرضية في مقرر دراسي خاص وداخلي.وبهذه الحيوية الدائمة تأخذ الأمم والشعوب مكانها الطبيعي داخل جغرافية الحضارة الإنسانية.
لكن أين العرب مما يقال ويكتب عنهم يوميا؟ وهل بقي شيء لم يزور في تاريخهم؟ ومتى يستطيع المسلمون أن ينتفضوا احتجاجا على تزوير ذاكرتهم الحضارية؟ الواقع أن العالم العربي قد انشغل بنكباته المتتالية، من فلسطين إلى العراق إلى لبنان والبقية آتية، وتاه في مشاكله القطرية من بطالة وفقر ونزاعات عرقية وسياسية، ونسي ما يحاك له بالليل والنهار، وما يحكى عنه من أباطيل وأكاذيب تشوه صورته وتجعل منه العدو الأول للمدنية والحضارة الإنسانية. فكثيرة هي الكتابات التي تصدر في الغرب معلنة الحملة على كل قيم الأمة، وناشرة لأحاديث الزور عن تاريخها لأهداف صهيونية عدائية واضحة. ولا أحد يحرك ساكنا أو يعلن رفضه لهذا المنطق التزويري وكأن الأعداء يتحدثون عن أمة أخرى لا تعنينا ولعل آخر صيحات الحرب المسعورة على العروبة والإسلام ما حواه قاموس ويبستر في آخر طبعاته الطبعة(الثالثة)من تعاريف تسيء، ليس فقط إلى العرب والمسلمين فحسب، بل إلى طبيعة البحث العلمي الجاد. فتحت غطاء العلمية والأكاديمية يقدم هذا القاموس للعالم افتراءات وأكاذيب هي أقرب إلى الشتائم منها إلى الضبط المنهجي والتعريف الاصطلاحي. فقد أصبحت اللاسامية هي: العداء للصهيوينة والتعاطف مع أعداء دولة إسرائيل. وغدا العربي مرادفا ل المتشرد، المنحرف ، المتسكع، المتسول، الغبي، الفوضوي. والإسلام هو العداء للسامية وللدين اليهودي . وإذا كان قاموس ويبستر قد أضاف هذه المفاهيم إلى شبكته الاصطلاحية في طبعته الأخيرة، فقد استقاها من العديد المصادر لعل أهمها قرار الكونغرس الأمريكي المتعلق بمعاداة السامية والدعوات المتكررة داخل الغرب إلى إعلان ْق الحرب ضد العروبة والإسلام، جسدتها بجلاء مشاريع الهيمنة الأمريكية على المنطقة العربية ودعوات إصلاح مناهج التعليم والدراسة. وحتى لا نبقى على هامش التاريخ ويضيع وجودنا في نقاشات الانتماءات الإقليمية الضيقة والحسابات السياسية العرضية، فمن المفروض على كل مثقف غيور على هذه الأمة أن يعلن انتفاضة على افتراءات ويبستر، لأن الصمت هو شهادة وفاة لأمة بأكملها. وفي هذا المجال لا بد أن نحيي الحملة التي تقودها الجمعية الدولية للمترجمين العرب للاحتجاج على أباطيل ويبستر، والتي ندعو جميع المثقفين إلى الانضمام إليها ومساندتها حتى لا نفقد آخر عناصر حياتنا، والمثال الصيني ما زال حاضرا أمامنا. فؤاد بوعلي
المصدر: التجديد نشر في التجديد

