في فبراير الماضي قال أسطورة كرة القدم العالمية الهولندي يوهان كرويف لمقربيه مازحا ‘‘ أشعر أنني منتصر في الجولة الأولى على هذا المرض اللعين بهدفين لصفر، في مباراة أتوقع أنني سأنتصر في نهايتها ‘‘. إحساس متفائل من شخص متفائل سرعان ما فندته الحياة صبيحة اليوم حين أعلن الموت انتصاره الأخير على يوهان. فقد فارق ‘‘ الفتى الطائر ‘‘ الحياة متأثرا بتردي حالته الصحية جراء معاناة طويلة مع سرطان الرئة اللعين . عن سن الثامنة والستين الحافلة بأطراف المجد والعطاء الكروي الكبير، تنطفئ إذن جذوة الحياة في لاعب قبل نظيره، يصنف واحدا من أبذخ من مارسوا كرة القدم في القرن العشرين . من برشلونة التي وهبها كل شيء، حياته، كرته، فنه، إبداعه، ثم تعاليمه كمدرب فذ وخارق، جاء نعي ‘‘ الفتى الطائر ‘‘ لكل العالم، لتستمر سنة 2016 في حرماننا من كبار القوم تباعا.
يوهان كرويف قاتل المرض بكبرياء وشراسة تماما كما كان يرسم لوحات الابداع داخل المستطيل الأخضر على امتدادا مسيرته الكروية الحافلة ‘‘ جدا ‘‘ بالانتصارات والمباريات الرائعة. حتى الأجيال التي لم تفتح أعينها على ومضاته العبقرية، سمعت عنه الكثير وتعرف عنه الأكثر، إذ أن اسم كرويف كان له وقع استثنائي في نفس المتلقي مهما تناوبت الأزمنة . في العام 1992، وفي عز مجده الآخر كمدرب للنادي الكاتالوني، أدخل المستشفى على عجل لإجراء عملية للقلب المفتوح، بعد أن دخل غيبوبة مطولة نتيجة انسداد شرايين قلبه. نجا الهولندي الطائر من الموت بأعجوبة، ليشاهد العالم بعدها يوهان سليما معافى، يتلاعب بعلبة السجائر ثم يقذفها بعيدا، كخطاب موجه لكل المدخنين : السيجارة قاتلة ويجب عليكم قذفها بعيدا . تماثل الفتى الطائر للشفاء بعد هذا الحادث، وفاز مع برشلونة بكأس أوروبا للأندية البطلة في آخر نسخها القديمة، واعتقد الجميع أن قصة العبقري الهولندي مع محن الذات قد انتهت للأبد . غير أن المرض اللعين لم يعز عليه فراق يوهان كرويف. بين الفينة والأخرى كان يحاول النيل من جسده، فيما كان يوهان ينتصر عليه كل مرة بنفس الوصفة : التفاؤل والعمل. في دهاليز برشلونة ، ظل يوهان ممسكا بفتاوي فلسلفة الكرة الشاملة، يلقنها للأجيال جيلا بعد جيل، إلى أن اجتمعت لدى الفريق الكاتالوني طفرة نوعية من اللاعبين المهارى، كميسي وشتافي وانيسستا وبوسكيتس والفيس يتزعمهم ‘‘ ابنه الرياضي ‘‘ سابقا غوارديولا، ليعلن للعالم ولادة فريق متشبع بالكرة الشاملة في نموذجها الأمثل . تلك برشلونة التي عشقها منذ أن وطأها ذات يوم من العام 1974 ولم يغادرها أبدا . تزوج هناك، استقر هناك، لدرجة أن هولندا نفسها صارت وطنا غريبا لابنها الكبير والمدلل . إلى اليوم يصعب على محللي ومتتبعي كرة القدم سواء الذين شاهدوا كرويف لاعبا أو الذين لم يجد عليهم الزمان بهذه المنة، أن يحددوا موقع كرويف في الميدان. فيهم من يرى أن كرويف كان رأس حربة، وفيهم من يعتقد أنه كان صانع ألعاب، وهناك من سيجزم أنه جناح أيمن، ثم أيسر … المهم أنه كان يتحرك في رقعة الملعب كما شاء وقتما شاء، ولعله كان أول لاعب بهذه الميزة في تاريخ كرة القدم . حركية وسرعة وقدرة على المناورة والاستدارة والارتداد بين الوسط والدفاع والهجوم، جعلت من لايفهم أسلوب لعبه يلقبه ب ‘‘ الفتى الطائر ‘‘ وهو اللقب الذي رافقه طيلة مشواره الاحترافي . البداية كانت من أجاكس العظيم، أجاكس كوفاكس ورينوس ميشلز، الذي اكتسح أوروبا مطلع سبيعينات القرن الماضي، وفاز بكأس أوروبا للأندية البطلة ثلاث سنوات متوالية ( 1971 – 1972 – 1973 )، ليشد يوهان أنظار أكبر الأندية الأوروبية، ويقع عليه الاختيار لتعزيز صفوف برشلونة الاسباني انطلاقا من العام 1974 . في برشلونة ، وبكاريزمته الاستثنائية نجح كرويف في تبديل أسلوب لعب الفريق الكاتالوني لتتماشى مع مؤهلاته الخارقة، وكان الأسلوب طبعا هو ‘‘ الكرة الشاملة الهولندية ‘‘ حيث الكل يدافع والكل يهاجم. وهو الأسلوب الذي مازال يطبع أداء الفريق الكاتالوني، بل تحول إلى فلسفة قارة ودائمة للنادي . ولأن القصص الخالدة لا تزداد روعة إلا بجرعة التراجيديا اللازمة، فإن يوهان كرويف، أفضل لاعبي العالم في زمنه ( بين زمن بيلي ومارادونا ) لم يكتب له الفوز بالتتويج الأعلى في كرة القدم : كأس العالم . في مشهد أول بألمانيا الغربية، في نهاية كأس العالم أمام البلد المضيف، ضيعت هولندا فوزا في المتناول، كان كرويف أول من وضع لبناته بعد إحرازه ضربة جزاء في الدقيقة الأولى من عمر المباراة، إثر مرواغة رائعة من يوهان وعرقلة واضحة من المدافع الأيمن الألماني بيرتي فوغتس، نفذها زميله نيسكانس. قلب الألمان الطاولة وانتصروا بثنائية من جيرد مولر وبول برايتنر من ضربة جزاء أيضا. في المشهد الثاني، رفض يوهان كرويف مرافقة منتخب بلاده للأرجنتين للمشاركة في دورة 1978 محتجا على نظام الطغمة العسكرية التي كانت تقود البلاد تحت رئاسة الجنرال فيديلا، رغم أنه كان في أوج عطائه مع نادي برشلونة . ومع ذلك لم ينل هذا القدر اللعين شيئا من مجد الفتى الطائر. وبغض النظر عن كأس العالم، فاز يوهان بكل الألقاب الممكنة في مسيرة لاعب كرة القدم، حيث توج بلقب الدوري الهولندي 9 مرات مع ناديه أجاكس أمستردام ، وثلاث مرات بكأس أوروبا للأندية الأبطال، والدروي الإسباني مرة واحدة، وكأس السوبر الإسبانية مرة واحدة، ووصيفا لبطل العالم في دورة كأس العالم ألمانيا الغربية 1974. كمدرب لم يشغل كرويف العارضة التقنية لأي فريق سوى النادي الذي وهبه كل شيء : برشلونة . النادي الذي فاز معه بلقب دوري أبطال أوروبا العام 1992 . كل هذا المجد ينتهي اليوم من هذه الأرض التي داست قدما كرويف ترابها وعشب ملاعبها في زمن تليد، لكن الأكيد أن كرة القدم ستحتفظ للأسطورة الهولندي بالكثير من العرفان لما أعطى من روعة وفن، في رحلته الأخيرة، كفتى طائر، محلق باتجاه السماء . تورايخ هامة 1948 : الولادة بامستردام الهولندية 1971 – 72 – 73 : بطل أروربا مع أجاكس أمستردام 1974 : وصيفا لبطل العالم ولاعبا لبرشلونة الاسباني 1978 : رفض المشاركة في دورة الأرجنتين لكأس العالم احتجاجا على الدكتاتورية 1982 : نهاية مساره الرياضي كلاعب 1992 : قيادة برشلونة للفوز بأول كاس أوروبية للأبطال كمدرب 1992 : أول جراحة ناجحة على القلب 2016 : وفاته في برشلونة بعد صراع طويل مع المرض
المصدر: سعيد نافع نشر في الأحداث المغربية

