انتهى الصراع الدائر بين الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة، وبين الفريق محمد مدين المعروف باسم الجنرال توفيق، بالإعلان عن إقالة توفيق، في مفاجأة غير متوقعة تمثل زلزالا سياسيا حقيقيا، وذلك في وقت اشتد فيه الكلام عن تأجج الصراع في الفترة الأخيرة، التي ميزتها سلسلة إقالات لبعض المسؤولين المحسوبين على الجنرال توفيق، وكذلك سجن الجنرال حسان المسؤول السابق لوحدة مكافحة الإرهاب في جهاز المخابرات، وتسريب معلومات عن ضغوط كان الفريق توفيق يمارسها ضد الرئيس بوتفليقة لتنظيم انتخابات رئاسية مبكرة.
تناقلت أمس وسائل الإعلام الجزائرية نقلا عن مصادر أمنية، أن الرئيس عبد العزيز بوتفليقة أنهى مهام قائد مديرية الاستعلام والأمن (المخابرات) الفريق محمد مدين المعروف باسم الجنرال توفيق، البالغ من العمر 76 عاما. وهو القرار الذي سارعت وكالة الأنباء الرسمية لتأكيده في برقية رسمية، مشيرة إلى أن الرئيس بوتفليقة بوصفه وزيرا للدفاع أقدم على إقالة الفريق توفيق، وأحاله إلى التقاعد، وأنه قام بتعيين اللواء عثمان طرطاڤ المعروف باسم بشير كمسؤول عن جهاز المخابرات، مع الإشارة إلى أن اللواء بشير طرطاڤ سبق له أن كان قائد الأمن الداخلي في جهاز المخابرات قبل أن يحال إلى التقاعد، ثم يعين كمستشار أمني برئاسة الجمهورية. وبعيدا عن الأمور البروتوكولية والإجراءات القانونية، يتعلق الأمر بزلزال حقيقي، فالفريق توفيق هو أهم رجل في النظام الجزائري خلال العشرين سنة الماضية، فقد تولى هذا المنصب سنة 1990، ورغم أن نفوذه لم يكن مطلقا بسبب وجود جنرالات آخرين نافذين مثل اللواء خالد نزار وزير الدفاع الأسبق، والفريق محمد العماري قائد أركان الجيش السابق، إلا أنه مع مغادرة نزار وبعده بسنوات الفريق العماري أصبح نفوذ توفيق مطلقا، وأصبح يسمى بصانع الرؤساء، مع العلم أنه لعب دورا في استقدام رؤساء الجزائر منذ سنة 1992، ولعب الدور الأكبر في استقدام الرئيس بوتفليقة سنة 1999، كما أنه وقف إلى جانبه في انتخابات 2004 للظفر بولاية ثانية، في الوقت الذي رفض الفريق العماري حصوله على ولاية ثانية، ووقف إلى جانب غريمه علي بن فليس. ولكن الصراع اندلع في سنة 2013 مباشرة بعد عودة الرئيس بوتفليقة من رحلة العلاج التي دامت أكثر من 80 يوما في فرنسا ، إذ تبين بعد ذلك أن الفريق توفيق كان رافضا لترشح بوتفليقة لولاية رابعة، وهو الأمر الذي كشف عنه عمار سعداني زعيم حزب جبهة التحرير الوطني (الأغلبية) الذي فتح النار دون سابق إنذار على مدير جهاز المخابرات، متهما إياه بالوقوف في طريق ترشح الرئيس لولاية رابعة، وكذلك تلفيق قضايا فساد ضد رجال الرئيس. وكانت هذه التصريحات النارية إعلان حرب ضد الجنرال توفيق، وإخراجا لصراع القصر إلى الساحات العامة. ورغم أن الرئيس تمكن من الترشح لولاية رئاسية رابعة، إلا أن الصراع بقي مستمرا في الكواليس صامتا، لكن عملية «إعادة هيكلة» جهاز المخابرات بقيت مستمرة، والتي سماها البعض عملية إضعاف جهاز المخابرات، وإضعاف الفريق توفيق على وجه التحديد، إلى غاية آخر فصل في هذا الصراع بالإعلان عن إقالة الفريق توفيق. وبعيدا عن هذا الصراع يعتبر الفريق محمد مدين شخصية فريدة من نوعها، فقد نجح في فرض نوع من الغموض حول شخصيته طوال الفترة التي تولى فيها مسؤولية قيادة جهاز المخابرات، إذ لا يعرف أغلبية الجزائريين صورته وشكله، وحتى الصور المتداولة له غير واضحة المعالم، وأول صورة نشرت له كانت نهاية تسعينيات القرن الماضي، والذي قام بنشرها هو اللواء خالد نزار عند نشره مذكراته، عندما ضمن كتابه بعض الصور، بينها صورة لمجموعة من الضباط، كان بينهم الجنرال توفيق. وإذا كان كثيرون يرون أن نشر هذه الصورة خطأ، إلا أن البعض يقولون إن نشرها كان مقصودا من طرف صاحب هذا الكتاب، فالفريق توفيق كان حريصا على البقاء غامضا، حتى في أوساط ضباط المؤسسة العسكرية، إذ كان الجميع يخشون ذكر اسمه، حتى ولو كان ذلك للثناء عليه، وكانوا لما يريدون الحديث عنه يشيرون بحركة من اصبعين نحو الفم كمن يمسك سيجارا ويستعد لتدخينه، فالرجل عرف بتدخين السيجار، وكان يوصف بصاحب السيجار، وذلك كان كافيا لمعرفة المقصود بالكلام، لكن منذ هجوم سعداني عليه أصبح اسم توفيق وحتى بعض الصور متداولة في الصحف ومواقع التواصل الاجتماعي.
المصدر: نيوز24 نشر في نيوز24

