خلقت وفاة محمد عبد العزيز، زعيم جبهة البوليساريو الانفصالية، عن سنة 68 سنة بعد صراع من السرطان، ارتباكا واضحا وسط أجنحة الانفصاليين، فمباشرة بعد الإعلان عنها يوم الثلاثاء المنقضي، بعد طول تمويه حول الحالة الصحية المتردية للهالك، اشتدت وتيرة الصراعات التي عرفتها الجبهة في السنوات الأخيرة.
في هذا السياق، يشير مراقبون إلى أن موت عبد العزيز المراكشي، ستعمق صراع الأجنحة داخل الأمانة العامة لبوليساريو، خاصة بين زوجته العضو في الأمانة العامة والتي تعتبر الحاكم الفعلي لمخيمات تندوف منذ مرض زوجها، وبين باقي التيارات الرافضة لسيطرتها على الجبهة. لكن مع ذلك يظل الدور الجزائري هو الحاسم في الاسم الذي سيخلف الهالك، نظرا لارتباط الجبهة بحسابات السلطات الجزائرية والصراعات داخلها، وفي ظل توجه رسمي جزائري لتقليص الدعم الموجه لها بسبب الأزمة الاقتصادية الخانقة في الجزائر . ويستبعد المراقبون، أن يقع أي تغيير على توجهات الجبهة ورغبتها في التصعيد ومعارضتها للوصول إلى حل سياسي واقعي لقضية الصحراء، على ضوء مقترح الحكم الذاتي المغربي. وقد بات معلوما أن مرد هذا التصعيد يعود إلى انسداد الأفق أمام بوليساريو، ومحاولتها وعرّابتها الجزائر التغطية على الأوضاع الصعبة في المخيمات. ويجمع مراقبون على أن الانتقال إلى مرحلة ما بعد عبد العزيز، ستعرف الكثير من الصراعات بين الصفوف الأولى والثانية من القيادة الانفصالية للسيطرة على الجبهة، والتمتع بالامتيازات التي كان يحصل عليها زعيم الجبهة والمحيطون به، من خلال التلاعب بالمساعدات الإنسانية وغيرها، وهنا يبرز دور الأجهزة الأمنية والعسكرية الجزائرية ، التي تمسك بمقود الخلافة لصالح المرشح الذي يناسبها، حيث تروج لاسم الطالب. وقد لوحظ أخيرا غياب المراكشي عن واجهة الساحة السياسية بالمخيمات وخارجها، ما قوى حرارة حرب التطاحنات الداخلية لخلافته، التي تأججت قبل أسبوعين عندما أشهر القيادي بالجبهة عبد القادر الطالب تفويضا موقعا من المراكشي يخوله الحلول مكانه في اختصاصاته، ما اعترض عليه بقية قيادات الجبهة الانفصالية، لينتهي الاجتماع العاصف بمواجهة دموية بالمخيمات تم خلالها تصفية عدد من المحسوبين على الجناح العسكري للجبهة بدم بارد، و تم تداول صور جثتهم الممثل بها على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي. والجزائر بدورها، لن تتحمل أي تمرد في المخيمات، سواء من المدنيين أو المسلحين، كما أنها لا ترغب في أن تكون مضطرة لأي تدخل لفرض الأمن هناك، بالنظر إلى ما سيترتب عن هذا التدخل من تكلفة سياسية ودبلوماسية على المستوى الدولي، ومن مخاطر انتقال العدوى إلى الشارع الجزائري المحتقن أصلا. علما أن قيادة عبد العزيز للبوليساريو لم تكن محل إجماع بين مكونات الجبهة، بالنظر لوجود مطالب بإقالته، كما تعالت أصوات تنتقد الفساد المستشري داخل القيادة بتهمة المتاجرة بمآسي ساكنة المخيمات. ويرى محللون، أن الجزائر التي مكّنت لعبد العزيز، ودافعت عنه في وجه «صقور الجبهة» إخلال انتفاضة 1988، هي نفسها الجزائر التي ستصنع خليفته، لكن في سياق مختلف سواء عن المرحلة التي تلت مقتل الوالي مصطفى السيد مؤسس الجبهة أو مرحلة ما بعد 1988. وهناك توجه معارض لقيادة البوليساريو يرى أن معطيات العالم تغيرت، وأن حلم الدولة، الذي لم يتحقق في ظروف دولية مواتية، لا يمكن أن يتحقق اليوم، وأنه من العبث الاستمرار في مطاردة السراب، وأن مآسي المخيمات تهم أجيالا حكم عليها أن تعيش ظروفا قاسية، وأن قيادة الجبهة لم تعد معنية بهذه المآسي لأنها واقعة تحت التأثير الجزائري وفاقدة لاستقلالية القرار، وأنه حان الوقت لوضع نقطة نهاية لهذا المسلسل الطويل عبر التعاطي الجدي مع مقترح الحكم الذاتي الذي تقدم به المغرب، وهذا التوجه لا يتنكر لإرث الجبهة، لكنه يدعو إلى التعاطي الواقعي مع ما تفرضه المرحلة، ويمثل هذا التوجه بصفة خاصة تيار «خط الشهيد». في المحصلة النهائية؛ توجد الجزائر في وضعية معقدة و بين نقيضين؛ العودة إلى الحرب من جهة؛ وقبول التفاوض على الحكم الذاتي من جهة أخرى، علما أنها تعلم أن قرار الحرب يتجاوزها، نظرا لاعتبارات جيواستراتيجية مرتبطة بمصالح القوى الدولية الكبرى، خاصة في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية .. و في المقابل، لا يمكنها القبول بحل الحكم الذاتي لأن ذلك لا يرضي طموحها ولا مصالحها التي توهمت تحقيقها بتبني أطروحة الانفصال في الصحراء المغربية، وهذه الوضعية ستحكم وستعقد عملية اختيار خليفة لمحمد عبد العزيز. ويرى ملاحظون، أنه مهما يكن الأمين العام المقبل لجبهة البوليساريو فإن ساكنة المخيمات، وبصفة خاصة الشباب، لن تقبل بإعادة إنتاج نفس القيادة التي قادت لمدة أربعين سنة «قضية» خاسرة لم تنتج سوى مآسي إنسانية؛ فكما كانت أحداث 1988 دافعا وسببا في عودة واسعة لعدد من القيادات المؤسسة للجبهة إلى أرض الوطن، وما رافقها من عودة لسكان المخيمات، فإن عملية انتقال القيادة، التي ستجري في الأيام المقبلة، ستخلف بكل تأكيد حالة من التذمر والغضب في صفوف سكان المخيمات والقيادات الشابة التي لا يمكن أن تنتظر أربعين سنة أخرى لإحداث تغيير في القيادة، وهنا يفترض في المغرب أن يكون قد وضع حلولا ورسم خططا لمرحلة ما بعد عبد العزيز وأزمة القيادة الممكنة.
المصدر: العلم نشر في العلم

