لقد أخطأ الفقيه المقاصدي و زعيم حركي سابق السيد الريسوني الزمان و المكان ليبعث رسائله من المشرق العربي إلى المغرب الكبير،إذ أخطأ المكان لأنه اختار ليلقي تصريحاته دولة مستبدة ليس لها تاريخ مشرف في الديمقراطية و حقوق الانسان و تكريس حرية الرأي و الاختلاف و ترسيخ عمل المؤسسات السياسية و الادارية المعتمدة في كل دول المعمور إلا في امارات الخليج طبعا حيث يقبع الاستثناء الذي يحير العقول قبل القلوب،و أخطأ السيد الريسوني كذلك الزمان لأنه أثار في تدخله بعض مواضيع متجاوزة في النقاش العمومي و أصبحت من الماضي مما حرك أقلام معادية للامازيغية لتنشط من جديد و تخرج ما في جعبتها مستغلة ردود الفعاليات الامازيغية على تصريحات الريسوني.
أصداء تصريحات السيد الريسوني حول الامازيغية لم توقفها إذن حدود الامارة المشرقية كما كن نتمنى،و لم تقف عند حدود إبداء الرأي في قضية داخلية و التي كان من الاجدر إثارتها هنا في المغرب لا في المشرق،بل جعلت بعض الجهات من تلك التصريحات مطية لقضاء مآربها الخاصة و سنلخصها في ما يلي: _إعادة فتح ملفات تعد من الماضي المسيء للمغرب و نقطة سوداء في تاريخه المعاصر،كتخوين فعاليات أمازيغية و توجيه لها اتهامات مجانية فضفاضة تحت شعارات دينية و وطنية دون إعطاء أمثلة واضحة حتى يكون الرأي العام على بينة و نتفادى تضليل المتتبعين بمغالطات تنم عن نواي سيئة،لاسيما و أن التخوين يعد اتهام صريح و خطير يحتاج الى دليل حتى تتسنى للمحاسبة أن تأخذ مجراها الحقيقي. _ شن نخبة من حراس القومية العربية في المغرب هجوما غير مسبوق على النضال الامازيغي و تحميله مسئولية ما وصل اليه النقاش في المواقع الالكترونية بسبب ردود الفعل الامازيغين حول مواضع ذات الصلة بالمكون الامازيغي،مما يدل مرة أخرى على أن هذه النخبة (التي مازالت ذخائرها لم تنفذ بعد في معاداة الامازيغية)تقارب القضية الامازيغية برؤية أحادية لا تبحث عن مكامن الخلل بقدر ما تنطلق من اتهامات مسبقة و تحاول جعلها حقائق واقعية،الشاهد هنا أن المنتقدين للمناضلين الامازيغين لا يكلفون أنفسهم البحث عن دور القومية العربية في محاربة الهوية و الثقافة الامازيغية المغربية،و لا يكلفون أنفسهم الالتفات الى التصريحات التي تسيء الى الامازيغ،و لا يحاولون التنديد بسياسة الاقصاء التي مورست في حق التاريخ الامازيغي،و لا يحاولون قراءة الشروط التاريخية و السياسية التي انتجت ما يعتبرونه تطرفا أمازيغيا،و لهذا فالموضوعية تتطلب تحديد بأمانة الاسباب و المسببات بعيدا عن خلفيات إيديولوجية و الانطلاق من حقيقة مفادها أن الامازيغية كيان ثقافي و هوياتي قائم بذاته يؤثر و يتأثر. _الانتصار لمواقف الحركات الإسلامية و محاولة دمج شرف”الدفاع عن الامازيغية ” في أرشيفها النضالي في المغرب و تلميع صورتها و تقديمها كبديل لنضال الفعاليات الامازيغية،و هي محاولات تنم عن نية هؤلاء استغفال القراء و التاريخ و الامازيغ أنفسهم.ويكفي العودة الى النقاشات ما قبل إدماج الامازيغية في المدرسة العمومية و ما قبل ترسيم الامازيغية للوقوف على حقيقة مواقف الحركات الاسلامية تجاه المكون الامازيغي و كيف نافحت بقوة ضد أي اعتراف رسمي يعيد الهوية الامازيغية الى مكانتها الطبيعية. _محاولة اثارة نقاشات محسومة من باب التشويش ليس إلا،خاصة بعدما فقدت نخبة من المثقفين المغاربة و السياسيين تلك السلطة المعنوية التي خولتها لهم الوصاية التاريخية التي كانوا يمارسونها على الامازيغية باسم الوطنية و الدين،و لعل الحرف الامازيغي ”تيفيناغ ” أهم تلك المداخل المعتمدة لانتقاد الامازيغية و ربط نضوج التجربة و تطورها باعتماد الحرف العربي بديلا له ،دون ان يتم استحضار نجاح تيفيناغ في المدرسة و مدى إقبال المتعلمين على كتاباته بيسر و دون استيعاب أن وظيفة الحرف لا تنحصر في الكتابة و التدوين بل هي تجسيد للهوية البصرية ذات أبعاد رمزية و وجدانية.و يعد أيضا إعادة طرح بعض الجهات لموضوع تيفيناغ مسا خطيرا بالمكتسبات الوطنية و بالتالي يجب على الحكومة تحمل مسؤوليتها تجاه الامازيغية باعتبارها رصيدا مشتركا لجميع المغاربة يساهم كل من موقعه في النهوض بها و ليست مرتعا خصبا للمزايدات الاديولوجية و الفكرية.
المصدر: ادريس رابح نشر في لكم

