لا يمكنك أن تقود سيارتك وتعبر الحدود المغربية إلى إحدى جهاته البرية، دون الاستعانة بالطلبات الاستثنائية، ودون أن توقفك حواجز “جوج بغال” أو الثكنات العسكرية المغروسة على طول الشريط الحدودي مع الجزائر؟، ودون أن تمر عبر مخاطر موريتانيا في شريط الموت، وحتى في الذهن المغربي تحول السفر إلى الخارج إلى رمزي الباخرة والطائرة، ما جعل المغرب يبدو مثل جزيرة يعيش أهلها بمنأى عن العالم وبمعزل عن أبعاده الإقليمية والدولية، بسبب شعار رفعته قوى، الله أعلم بأبعاده وخفاياه، ومراميه التي ترنو إلى تحقيقها، كما رفعت مجموعة من الشعارات التي يرددها كل من هب ودب، مشكلة مفاهيم الإديولوجية الجديدة التي تغذي الدولة القائمة.
ويعتبر شعار “الخصوصية المغربية” إحد الشعارات / المفاهيم الواسعة الانتشار في ديباجات المداخلات الرسمية لمسؤولين حكوميين، يرددها خلفهم طابور من “العلماء والمثقفين ومسؤولي المجالس المنتخبة…”، دون طرح سؤال ما معنى الخصوصية المغربية المقصودة ؟ وإلى أي حد تحد تلك الخصوصية من التطبيق الفعلي لمفاهيم كونية كالحرية وحقوق الإنسان، والديمقراطية وآلياتها التدبيرية ممثلة في الانتخابات والتداول على السلطة…؟، وهل تكون “الخصوصية” المقصودة تلك التي أديرت بها العديد من الملفات، بقصد أو بدونه، وبعقلية ماضوية أدت إلى عزل المغرب عن العالم الخارجي، وتوالد الأعداء حتى من الإخوة والأشقاء. وتوضح الصورة بعد قليل من “المونطاج” أن المغاربة استيقظوا من كابوس “البصراوية” وما حملته من شعارات مزيفة، وحمايتها لثلة من الذين اغتنوا بركوب تلك الشعارات، بنهج سياسية “لا حساب ولا عقاب”، طيلة ربع قرن من الزمن، ودخلوا (أي المغاربة) في كابوس العهد الجديد، الذي أزال ثلة وغيرها بأخرى، تغتني بدورها بركوب شعارات جديدة، تشكل العمود الفقري لقبضة المهندسين الجدد في الدولة المغربية… وبالعودة إلى الجذور التاريخية التي يستند إليها مخرجو المفهوم، تقدم الخصوصية بالعودة إلى استطاعة المغرب الانفلات من مخالب الامتداد العثماني، والصمود في وجه الامتداد الصليبي طيلة قرون من الزمن، وحفاظه على الخصوصية بين الدول الإسلامية في الأمرين، وفي التعاطي مع العديد من القضايا، حتى شكل استثناء بين الدول العربية والإسلامية. من هنا عاش المغرب كل الملفات والقضايا على إيقاع الخصوصية، ما أدى إلى إخراج هزلي للعديد من المسرحيات، وأغلبها، إن لم نقل كلها، كانت سيئة الإخراج، وبأدوار ناقصة ومنقوصة، بدءا بملف الإنتقال الديمقراطي الموءود مرورا بملف “الإنصاف والمصالحة” ل “ذر الرماد في العيون ” بدور غير مكتمل، واللائحة طويلة، خضعت في مجملها لمراعاة الخصوصية المغربية، حتى تحولت هذه الأخيرة إلى صهوة سهلة الامتطاء، إلى جانب المفاهيم التي يسهل ركوبها للمرور إلى الواجهة. وانطلقت الخصوصية تلك بتبنيها من قبل وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في تدبيرها للشأن الديني، والإعلان في كل حين عن “تنقيح” جديد في ملامح المذهب المالكي، لتضاف إليها الأشعرية، ثم مسلك الجنيد، لتغزو (أي الخصوصية) السياسة الرسمية من أوسع أبوابها، وكأن الخصوصية المقصودة تحولت إلى قالب تقاس عليه القرارات والبرامج والمخططات السياسية للدولة، أو بالأحرى مدخلا لتعديل المشترك الكوني، حتى لا يتم استدعاء لا تصبح التطبيقات الكونية والمشترك الإسلامي قابلا للقياس إلى أي تجربة من التجارب خارج الحدود. ويبدو من خلال العديد من المؤشرات أن المشاريع التي تنوي المملكة المغربية تنزيلها كمشروع الجهوية التي لن تكون الخطوة الفعلية نحو حسن التدبير المجالي وإعادة توزيع السلطات أفقيا وعموديا على عموم التراب الوطني وأن هذه الجهوية لن تسلم من أنياب ومقص “الخصوصية المغربية” وستحتويها كما احتوت ما قبلها لتفرغها من معناها، وهو الحال ذاته في إصلاح القضاء وحرية الإعلام وتطول اللائحة بالعديد من الإصلاحات التي دخلت غرف الإنعاش ولم تخرج منها. غير أن الشعار المرفوع سرعان ما تنكشف دوافعه الحقيقية، في غظه الطرف على المكامن الحقيقية للحديث عن الخصوصية عندما يتعلق الأمر بالتدخلات الأجنبية في المجالات الحيوية التي ترسم ملامح الهوية والثقافة المغربيتين، كالتدخل في البرامج التعليمية، ومخططات التنمية الثقافية، ومحاربة التنصير بشكل جدي كما هو الحال مع التشيع وغيره من المخاطر المحدقة بالهوية الوطنية … ويظهر تهافت “الشعار” في تركيع الطروحات المعارضة للسياسة الرسمية وفي تعليب الإصلاحات التي ملأت الأوراق وخلا منها الواقع، ما حول الخصوصية إلى “حق أريد به باطل”.
المصدر: جواد غسال نشر في مرايا برس

