في وقت تسارع فيه المنتخبات العالمية إلى تنصيب مدربين جدد لمنتخباتها الوطنية غذاة كل إخفاق في بلوغ الأهداف المرجوة وذلك لبدء مرحلة جديدة تقطع صلة الوصل مع مخلفات المرحلة السابقة وحتى يتسنى للمدرب الجديد مباشرة استراتيجيته والخطط التي سيرسمها لتجاوز إخفاقات وعقبات الماضي فلا وقت لتضييعه في الانتظار الفارغ والغير مجدي الذي يمارسه مسؤولونا باسم الانتقائية والاحتراز وكأن الأمر متعلق باختراع قنبلة نووية وليس اختيار مدرب لقيادة منتخب وطني في كرة القدم .
أما جامعتنا للأسف وبإفتاء من وحي الغرابة فقد ارتأت أنه لا داعي للعجلة في الإسراع في تعيين مدرب ما دام منتخبنا غائبا عن التنافس في الفترة الراهنة في وقت كان يفترض أن تكون صدمة الإفلاس التي أظهرها خروج منتخبنا الوطني صاغرا من الإقصائيات المزدوجة الأخيرة دافعا للمسؤولين عن الشأن الكروي ببلادنا لمحاولة تجاوز الأخطاء المرتكبة سابقا وتطليق واقع العبث والارتجال الذي طبع كثيرا من القرارات العشوائية المرتبطة بتسيير فريق وطني يعتبر ملكا لعموم الشعب المغربي لكن على ما يبدوا فدار لقمان ستبقى على حالها وما هذا التخبط والميوعة التي يعرفها مسلسل اختيار ناخب وطني إلا مثال مبسط لهاته الحالة النشاز . لست أفهم رغم اجتهادي في ذلك هذا المسلسل الذي يبدوا أطول من حلقات مسلسل تركي يمزج كل قوالب الدراما والتراجيديا فالأمر واضح وضوح الشمس في نهار جميل على قولة عبد الوهاب الدكالي ولا يستدعي كل هذا اللغط وتلاحق هذا الكم الهائل من أسماء المدربين بمختلف الألوان والتشكلات فكل ما نحن في حاجة إليه هو مدرب كفء يستطيع إعادتنا إلى الساحة الكروية فلا أعتقد أننا نبحث عن سوبرمان ، لو كنا نستخلص العبر والدروس لأدركنا تمام الإدراك أن الأسماء الكبيرة على المستوى التدريبي ليست هي من ستصنع الفارق فقد تعاقدنا مع بطل وأوروبا وإفريقيا وهذا لم يجلب لنا بطولة إفريقيا بل لم يؤهلنا حتى لبطولة إفريقية كنا نهينها في ما مضى . لهذا لست أرى من داع أو طائل من اللهث وراء مدربين بقيمة هيدينك أو مانشيني وغيرها من الأسماء الوازنة التي نكن لها ولتاريخها كل التقدير والاحترام لكن كل هذا ليس ضامنا لتحقيق النتائج المرجوة والتي هي المطلب الشعبي الأول فنجاح مدرب في تجارب سابقة ليس معيارا لنجاحه في الأراضي المغربية ، فجميع تجارب العشرية الأخيرة عرت إخفاقا فاضحا لعديد الأسماء المحنكة في مجال التدريب في ترويض محيط المنتخب الوطني الحابل بالجبهات والمنعرجات ولست ممن يرجحون كفة طرف على آخر لذلك فمن وجهة نظري فإن جنسية المدرب ليست هي مربط الفرس ولست ممن يغالون في الوطنية ويتعصبون للإطار الوطني غالبا أو مغلوبا لكنني في ذات الآن أرفض ذلك الولاء الأعمى للمدرب الأجنبي تلك العقدة التي أدعوها عقدة الخواجة التي تنظر إلى السيرة الذاتية للمدرب القادم من الضفة المقابلة نظرة براقة في وقت يتم التعامل معه مع ملفات ترشيح بعض المدربين المغاربة معاملة تحقيرية حتى وإن كانوا لا يقلون كفاءة وتمرسا من نظراءهم القادمين من القارة العجوز . في قناعاتي الخاصة ليس مجديا الإسهاب في بوليميكية المدرب المحلي أو الأجنبي لأنه سيكون خوضا في الموضوع الخطأ ونزوعا عن صلب الموضوع وانحرافا عن جادة الصواب فضلا عن تضييع الوقت في حين تنتظرنا تصفيات إفريقية حارقة ستجمعنا بالجزائر المونديالية بزخم الإنجازات الأخيرة لذلك على جامعتنا الكف عن اتباع سياسة المماطلة مختفية وراء ستار البحث عن أفضل مدرب في العالم وعليها الإسراع في الإفراج عن اسم المدرب الوطني حتى يبدأ في تسطير مشروعه عوض تضييع أشهر ثمينة في تقليب أوراق محروقة لأن المرحلة القادمة يجب أن تكون مرحلة بناء فريق وطني جديد وشاب وهذا لن يتأتى بالنوم في العسل وكما يقول المثل المغربي ” زواج ليلة تدبيرو عام ” والاستحقاقات القادمة تفرض التحرك والعمل عوض السبات القطبي والتطمينات الواهمة التي تستبلد الجمهور ووسائل الإعلام لأن خوفي كبير على المستقبل لأن تحضير مرحلة حساسة في التاريخ الكروي المغربي يتطلب التوقف عن التلاعب بالوقت وهذا الطابور الطويل من الانتظار ليس في صالحنا وواهم لو ظن علي الفاسي وباقي الرفاق في مدرسة التخبط والضياع أن في تمهلهم خير بل على العكس سيغرقنا ذلك في دوامة الركض القاتل لتعويض الزمن المهدور هباء وهو شيء ستكون عواقبه وخيمة لا محالة . معطيات نخلص منها أن كل المانشيتات والعناوين التي تروج لطي صفحة الماضي ما هي إلا شعارات جوفاء مفرغة من كل عناصر الوعي بقدسية المهمة الملقاة على عاتق من حملتهم أمواج الصدفة لتسيير الشأن الكروي ببلادنا ، كثير من الأمور الباعثة على الاستغراب هاته الأيام في دهاليز الجامعة حتى أصبحت معتادة والغير معتاد أن يكون العكس ، مسلسل طويل يبدوا وأن مخرجيه أرادوا لحلقاته أن تطول أطول مما طال مشوار الانتخابات الرئاسية الأخيرة في أفغانستان فإن كان ملف صغير مثل ملف المدرب الوطني يستغرق أشهرا عديدة فكم من الزمن والوقت ستسغرق مشاريع التأهيل والاحتراف والتخليق التي يتحدثون عنها . بقلم : عماد استيتو صحفي رياضي مغربي
المصدر: عماد استيتو نشر في مرايا برس

