نتابع الحديث عن العلاقات المغربية الاسبانية وعن أسباب أزمة هذه العلاقات، وعن أسباب توترها ومبررات تحسنها، ويكاد يجمع الباحثون من البلدين أن المبررات المنطقية لتحسين هذه العلاقات توجد في الجوار الجغرافي وفي المصالح الاقتصادية والأمنية المشتركة وأنها حاليا تتميز بالتوتر في ظل الاستقرار، و يسودها التوجس المتبادل، بل إن تاريخ هذه العلاقات هو في العمق تاريخ نزاعات تخبو أحيانا وتظهر بقوة أحيانا أخرى، و تجتر هذه العلاقات مخلفات نزاعات تاريخية تعود إلى مرحلة كانا فيها البلدين نقطة تماس بين الغرب المسيحي والشرق الإسلامي، ومنذ ذلك التاريخ والبلدين لم يعملا سوى على تدبير هذه النزاعات عبر تلافي المواجهة والاحتكاك والرهان على الزمن لحل نزاعاتهما سواء منها القديمة أو الناتجة عن تصفية جزئية للاستعمار، وفي هذا السياق تحضرني قصة طريفة سمعتها عن الملك خوان كارلوس سنة 1995 أثناء استقباله لوفد إسباني يمثل المجلس الأعلى للهجرة في إسبانيا وكنت حينها مشاركا في الوفد بصفتي نائبا لرئيس المجلس، ولن أنسى جواب العاهل الاسباني على سؤال أحد أعضاء الوفد يتعلق بالعلاقات المغربية الاسبانية مستفسرا عن أسباب تأخر الدولتين في فتح الملفات الشائكة والعالقة بينهما والبحث عن حلول تضمن تحسين هذه العلاقات واستقرارها. وأتذكر أن الملك خوان كارلوس نظر إلي بابتسامة وتوجه إلى سائله قائلا: ” سأروي لكم قصتي مع سؤال شبيه بسؤالك طرحته وأنا أمير على الكاوديجو فرانكو أثناء لقاء عمل بقصر الباردو بمدريد، وأتذكر أن لمحني فرانكو بنظرة ثاقبة وهو يشير إلى مكتبه حيث تراكمت في أحد أطرافه ملفات كثيرة وفي الطرف الآخر ملفات قليلة مرتبة ومهيئة للتوقيع الفوري وسألني، أتدري سمو الأمير لماذا تتراكم هذه الملفات مقابل الأخرى التي أنا بصدد توقيعها؟ واسترسل الكاوديجو قائلا لأن من مهامي كرئيس دولة أن أحسم في الملفات التي يتعلق بها السير اليومي للدولة بما فيها أحكام الإعدام وتعيين الوزراء والحكومة وإقالتها وغيرها بينما هناك ملفات مثل هذه التي تراها متراكمة يعلوها الغبار هي من مهام الزمن، هو الذي يحسم فيها وحينها ربما يعود لنا أمر إنجازها، ومن هذه الملفات ربما تجد بعض القضايا العالقة بيننا والمغرب أو مع دول أخرى مجاورة ..” أنهى خوان كارلوس القصة وتوجه إلي مازحا أتعرف أن لأخي جلالة الملك الحسن الثاني نفس التقدير؟ لم تكن المناسبة ولا البروتوكول يسمحان بالجواب رغم ما يعرف عن ملك اسبانيا من خرقه للبروتوكول وحميميته وعفويته في التعامل مع ضيوفه، واكتفيت كغيري من الحاضرين بفهم الجواب الذي تضمنته رواية الملك للحوار الذي جمعه مع الدكتاتور الاسباني سنوات قبل انطلاق المسلسل الديمقراطي في إسبانيا .
رواية الملك خوان كارلوس تفسر بكل وضوح أن تاريخ العلاقات المغربية الاسبانية هو في الحقيقة تاريخ نزاعات كامنة وأن الدبلوماسية الاسبانية كانت تعتمد على الزمن في تدبيرها وأن المغرب كان يجاري هذه الدبلوماسية بمثلها وأن البلدين كانت تجمعهما القناعة بانعدام الحلول لمثل هذه النزاعات والحل يكمن في عدم حلها و الأفيد للطرفين الحفاظ على كمونها واستمرارها معلقة إلى حين. بعد 36 سنة من موت فرانكو و أكثر من 10 سنوات من رحيل الملك الحسن الثاني هل تغيرت هذه العلاقات؟ هل لالتحاق إسبانيا بالوحدة الأوروبية وتمتيع المغرب فيما بعد بصفة الشريك التقضيلي للوحدة الأوروبية دور في تغيير دينامية هذه العلاقات؟ هل سيكون للتحولات التي يعرفها جنوب المتوسط وللربيع المغاربي دور في تحسين العلاقات المغربية الاسبانية أو تأزمها؟ هل تنذر عودة اليمين الاسباني إلى الحكم في اسبانيا بعودة التوتر وشد الحبل بين البلدين؟ وهل سقوط نظام القدافي سيؤثر ايجابا في حل أم المشاكل العالقة بين البلدين وهو ملف الصحراء؟ أسئلة كثيرة تؤكد من جانب أن التغيرات التي تعرفها المنطقة ستؤثر لا محالة في ترتيب أولويات البلدين وأن الزمن الذي راهنت عليه الدبلوماسية الاسبانية منذ عهد فرانكو في تدبير هذه العلاقات ينذر ببروز عوامل جديدة تفرض الانتقال من الكمون إلى الفعل،وأن اليمين الاسباني الذي كان إلى الأمس القريب عنصر توتر في هذه العلاقات هو المخول اليوم للفعل الايجابي في تحسينها, وأن المتغيرات في المنطقة والأزمة المالية الخانقة في إسبانيا ستعود بهذا اليمين إلى دوره الطبيعي في المساهمة الايجابية في حل ملف الصحراء وفي تحسين العلاقات والانتقال بها إلى المزيد من التعاون الاقتصادي والأمني والاستفادة من أخطاء سياسة أثنار الرعناء في هذا الملف وفي غيره. بعض هذه التقديرات سمعتها شخصيا من قادة بارزين في الحزب الشعبي الإسباني في الكواليس ولا شك أن اختيار وزير الخارجية الاسباني المقبل سيكون أول المفاجآت. بالمقابل يبقى السؤال مفتوحا عن مدى قدرة واستعداد المغرب لتغيير سياسته الخارجية والانتقال من دبلوماسية ردود الفعل إلى الفعل الدبلوماسي.
المصدر: عبد الحميد البجوقي نشر في لكم

