العولمة في نظر المهدي المنجرة ، منظومة قيم مفروضة على المجتمعات المعروفة بدول العالم الثالث . و هي منظومة قيم مصوغة في قالب أنتجته استراتيجيات الدول الأقطاب إن صح التعبير أو لنقل ” الدولة القطب ” المتمثلة في الولايات المتحدة الأمريكية – تصدير نمط العيش الأمريكي من نواحيه المتعددة – ، وفق مصالح مشتركة مع قوى اخرى ذات أهمية اقليميا ( شمال شمال / شمال جنوب ) . و إن كانت العلاقة شمال شمال يطبعها نوع من التوازن الشبه المتساوي ، بخلاف العلاقة شمال جنوب ، الاستعمار الجديد في قالب جديد ( استعمار الاقتصاد و الثقافة و القيم … ) .
” ان العولمة القائمة في نظر المنجرة ، هي فرض لنمط معين من القيم من لدن دول الشمال على دول الجنوب ، بتزكية مباركة من أنظمة و حكومات هذه الأخيرة ، و كذا بواسطة أقلام مرتزقة رهنت فكرها و تحليلها لفائدة حكام متواطئين – في مرحلة ما بعد الاستعمار مع مستعمريهم القدامى … ” ( المهدي المنجرة : عولمة العولمة ، منشورات الزمن عدد 18 ، مطبعة النجاح الجديدة ، الدارالبيضاء، ط 2 ، 2011 ، ص 5 .) و هو استعمار باركته الأنظمة و الحكومات في شق الجنوب رعاية لاستمرارها في الحكم اللاديمقراطي و اللاشعبي وفق منظور المهدي المنجرة . و هكذا فان جل أنظمة الجنوب لا تخرج عن الصيغة / المنظومة القيمية التي تسود فيها علاقات المصالح الإستراتيجية المشتركة بين المستعمر و المستعمر – بفتح الميم – ( النظام / الحكومة ) ضدا على المصالح الشعبية و الوطنية ، و هي منظومة ذات قيم متزاوجة مزدوجة في تسويقها للإعلانات السياسية سواء الداخلية منها أو الخارجية ، فالداخلية التي تشيع زعما لا فعلا قيم الاحترام و المساواة بين المواطن و هي شعارات مسوقة في الوسائل التي تتحكم فيها الطبقة السياسية و الدولة ، إذ العلاقات التي تحكم الأنظمة الجنوبية لا تخرج عن النفوذ و تشكيل أحلاف ( أسر سياسية – اقتصادية) ، و الاغتناء من ممارسة العمل السياسي ، وغياب المساءلة الداخلية ، و انعدام أي وزن مادي و معنوي للشعب / المجتمع ( المواطن ) . و الخارجية التي تسوق الصورة الجميلة للديمقراطية من خلال اتفاقيات الاستغلال و استنزاف ثروات الشعب و تركزها في يد طغمة محدودة ذات علاقة بالمستعمر الجديد / القديم ، و من خلال الاتفاقيات الشكلية لحقوق الإنسان مع تطويعها داخليا وفق المسار الذي يخدم الأنظمة / الحكومات ، و التركيز على نشر قيمة أنمطة ( من التنميط ) الرأي العام حتى يبقى جامدا و ثابتا في العلاقة مع توجهات هذه الأنظمة و الحكومات السياسية و الاقتصادية ، في نط مفضوح على قيم الشفافية و النزاهة ، و الارتماء في أحضان النفاق و الخداع السياسي دون إعارة الاهتمام للانفضاح و الانكشاف الكائن ، بل إن التمادي في تنميق و تزيين هذه التوجهات هو السيد في كل المحافل و المواقف. إن العلاقة الشمالية الجنوبية لا تخرج عن حماية من يحمي مصالح الأخر ، و بمجرد انتفاء هذا الشرط حتى تبادر دول الشمال إلى التدخل بادعاء تحقيق – فرض – العدالة و الديمقراطية ، بغض النظر عن كينونتها من قبل و لا من بعد ، و إنما يصبح التدخل غطاءا لهذا التدخل ( نموذج العراق، أفغانستان ، ليبيا …. ) . و هي فوضى في ثوب إحقاق الحق ، أو هي كما سماها المهدي المنجرة : ” تنظيم نزع ملكية الشعوب” ، ، على ان هذه الملكية ملكية مادية ( الثروات و المقدرات الوطنية) و ملكية معنوية ( ثقافة الشعب و الوطن و تاريخه و طموحاته الوجدانية و الفكرية ، و هويته و نمط عيشه الوجودي)، إذا نحن اعتبرنا ” تنظيم نزع الملكية ” منظومة قيم هي الأخرى . الدولة المغربية : تغيير / تحوير التغيير . إذا كانت العلاقة بين دول الشمال و دول الجنوب لا تخرج عن منطق المصالح المشتركة ، و استحضار الامتياز الشمالي في هذه المصالح ، فان الامتياز الجنوبي ينحصر – في نظرنا – في استمرار نمط الحكم و قيمه ، و بالتالي تبقى دول الجنوب ملعبا لسياسات دولية تحاول الحفاظ على موازين القوى و استمرارية منظومة الامتيازات ، و لو بظهور زعامات جديدة مع بروز تغيرات جذرية في بعض دول الجنوب ( شمال إفريقيا بالخصوص ) . و لعل الأمر لم يخرج عن هذا الباب في الدولة المغربية عبر اعتمادها سياسية تضليلية جد متقدمة، مسخرة في ذلك كل الامكانيات المتاحة سياسية و اقتصادية و اجتماعية و ثقافية و اعلامية… لكن الدعاية المغربية اللابسة لثوب الأناقة الديمقراطية و الإصلاح – ما اصطلح عليه بالاستثناء-، و الانتقال السلمي للسلطة و مباركة أنظمة الشمال ( تصريحات مسؤولي فرنسا و امريكا … ) لا تخرج عن تزكية النظام ، و لو لم يكن ديمقراطيا … رعيا للمصالح المشتركة فيما بين الأنظمة. و لأن تنزيل الدستور بصفة ينكرها المتتبعون حتى من انصار طريقة الحكم، ما هي الا عولمة العولمة في صورة مصغرة مختزلة قيميا ( الإيهام بالتغيير و ان لم يكن التغيير …. )، و هي هنا تعادل اللاتنظيم ، اذا نحن نظرنا الى حجم الدعاية الكبيرة التي صاحبت عملية التغيير المزيف، لأنها لم تكن تغييرا كما هو متعارف عليه في أبسط التعاريف و التحديدات ، على اعتبار ان منظومة القيم السائدة قبلا، هي السائدة من بعد، لا من حيث تعامل الدولة مع الاحتجاجات الشعبية، و لا من حيث تعاملها مع الاستفتاء الدستوري ( انفاق ميزانية باهظة على الحملة الدستورية و تسخير جميع وسائل الدولة لها …). الصورة الخارجية المسوقة للتغيير في المغرب توهم بجنة ديمقراطية، لكن الصورة الداخلية تعود بنا الى آليات العصر الوسيط، أيام ريادة الكنيسة، فالدعاية للتصويت بنعم للدستور في المساجد، و خروج الزوايا في المسيرات المؤيدة لطريقة الحكم و عقاب مواطنين بمجرد أرائهم المخالفة لما يريده النظام / الحكومة ، ما هي الا منظومة قيم مهترئة ظن الرأي العام أن لا عهد له بها بعد سجال طويل . هي اذن ترسيخ لقيم الخداع و الخيانة و اللاوطنية في أذهان العامة، و هي منظومة مسمومة موجهة كلها ضد من يخالف طريقة الحكم و يرى غيرها ، و يطرح فكرة القداسة و أزلية النظام و شرعيته للنقاش، في مقابل منظومة قيم أخرى، قيم الحداثة و التغيير الفعلي و الديمقراطية الشعبية لا الديمقراطية النظامية. الحسن أنفلوس طالب صحفي
المصدر: الحسن أنفلوس نشر في أزيلال أون لاين

