بين الحقيقة و الخيال فرق شاسع زادت شساعته الظروف المزرية التي نعيشها ، فمن منا لا يقوم بمقارنة يومية للواقع بالخيال ففي الواقع نعيش الحياة كما هي و في الخيال نصنع الحياة الوردية .
بين الحقيقة و الخيال تناقض نعيش على إيقاعه ونساير مساره مرغمين ، فالحياة قست علينا و الخيال رحب بنا فتح أبواب الحلم على مصراعيه قساوة الواقع دفعت بنا للهروب و الاحتماء وراء الخيال خوفا من الضباب الكثيف و الظلام الحالك وصوت الذئاب ، ذئاب ما فتئت تحوم بنا وتنهش لحومنا ، أغرقتنا لكن غرقنا لم يشفي غليلها فهي تحبذ الفناء لنا ، ذئاب تأكل و لا تشبع تطمع في الملء و العجاف . سنتساءل ما السبب ؟؟ السبب واضح ولا غبار عليه ، فكل من طلب حقا من حقوقه إلا وصار عدوا من أعدائها فما العمل ؟؟ الرضوخ لمطالبها أوالنضال و المثابرة إلى أن يعلوا الحق و يزهق الباطل . في الحقيقة رضينا بقسوة الواقع و لن نرضى بالذل و المهانة ، وفي الخيال صنعنا الأمجاد و افتخرنا بها ، فكل منا أبدع في تخيل فلم حياته في الأحلام اختار الشخصيات و السيناريو و الحوار ، تلاعب بالأحداث و الزمان اختار لنفسه دور البطل و اختار الكومبارس ، تفنن في خياله و أبدع في أحلامه لكن هيهات أن يطول الحلم فسرعان ما يستفيق على مرارة الواقع ويتمنى العودة … لكن إلى أين ؟؟ واقع لا يرحم ، واقع أثثت فضاءه وحوش جائعة شعارها quelqu’un pour soi et dieu pour tous . حان الوقت لأن نرفع رؤوسنا شامخة فلا ذل بعد الآن ، ولن نكتفي فقط بنصيبنا في الأحلام فنحن نريد حقنا في الحياة ، صوتنا صوت واحد لنرفع غطاء التهميش و لننفض غبار التمييز ، فنحن بشر لنا حقوق فنحن هنا من أجل التغيير ولن نرضى بسياسة الترقيع ، ذقنا ذرعا بالأحلام و الوعود ، نريدها تطبيقا على أرض الوجود ، نريد تطبيق سياسة نشر المبادئ ، نريد إعمال مبدأ تكافؤ الفرص فهي للأجدر و للأحق ، هي لمن علا كعبه لا لمن علا نسبه و ذاع سيطه ، نريد أن نرى مناصب المسؤولية توكل للمثقفين ذوا الألباب لا أصحاب الجاه و الأموال ، لأصحاب الضمائر الحية التي تنبذ التمييز وترفع التهميش ، التي لا ترضى بالذل وترفع الحرية كشعار ، التي تتبنى النزاهة و لا تقبل المقابل نظير الخدمات ، التي ترعرعت في أحضان أبناء الشعب رضعت منه المعاناة و عاشت معه الأزمات ، لتتذكر أيام النضال و التضحيات ، لتتذكر أن أحمد الحنصالي و موحى أحمو الزياني ، موحى و سعيد و حمان الفطواكي و غيرهم ضحوا بدمائهم ضحوا بالغالي و النفيس من اجل هذا الوطني الحبيب ، من أجل إبقاء راية الوطن رفرافة ناصعة ألوانها ، فخدمة الوطن فوق كل اعتبار ، أيننا اليوم من هذه المواقف البطولية ، المواقف التي يضحي المرء فيها بحياته من أجل أن يعيش الوطن و أبناؤه الأبرار . فعلا إننا نفتقد لهذا النوع من الشخصيات التي نُقشت أسماؤها بأحرف من ذهب في ذاكرتنا و ماضينا الذي اعترف ، وحاضرنا الذي أنكر جميلهم ، وقفة احترام لكل من قدم دمه الغالي عربونا لمحبة الوطن . أسفنا على جيلنا الحاضر ، هذا الجيل الذي فضل المصلحة الشخصية على المنفعة العامة ، هذا الجيل الذي يقول ( تفوتني غير أنا أتجي فيما بغات ) هذا الجيل الذي كرس سياسة الطبقية ، تبناها وسهر على تطبيقها . هذا الجيل الذي أزال الضمادة بعد وضعها على الجروح ومحا اسم المستضعفين من قائمة المدعوين . في الأخير لا يسعني إلا أن أقول أن بين الحقيقة و الخيال أمورا عديدة أشياء مبهمة ومواقف تحتاج للمراجعة و إعادة النظر ، وإذا اقتضى الأمر لتشريحها فلا حرج ، فمعرفة مكمن الخلل ليس كجهله . .
المصدر: محمد الشرقاوي نشر في أزيلال أون لاين

