كيف يمكن تفسير منح جائزة نوبل للآداب هذه السنة للفنان والمغني الأمريكي الكهل بوب ديلان؟. إنه واحد من الأسئلة التي خلقت الحدث عبر العالم، في مختلف الأوساط الثقافية والأدبية والفنية والسياسية والإعلامية (بعيدا عن ذلك الإسفاف الذي ركبه كالعادة بعض إخوتنا العرب والمسلمين بالمشرق، الذي توقف فقط عند أن السبب في ذلك هو ديانة الرجل، كونه ولد سنة 1941، في عائلة يهودية مهاجرة من
أوكرانيا
).
إن منح جائزة نوبل لهذا الفنان الكبير، هو حدث غير مسبوق، تتراكب فيه الكثير من المعاني. لعل أولها، انتصار الثقافة الشعبية، التي تندرج ضمنها التعابير الغنائية والموسيقية، على الثقافة العالمة التي يدرج ضمنها الأدب من رواية وشعر وقصة. مثلما أنها، ثانيا، نوع من التكريم المتأخر لتوجه فني مسنود برؤية سياسية تقدمية وإنسانية، كان له الأثر الهائل على جيل الستينات والسبعينات والثمانينات. وأنه، أخيرا، نوع من الانتصار لأول مرة على ثقافة الاستهلاك القيمية والفنية والغنائية، تلك التي ولدت ضمن منطق نظام السوق المتوحش منذ بداية التسعينات، والتي كان من ضحاياها التوجه الفني «الملتزم» بالقضايا الإنسانية في أبعادها السياسية والقيمية والحضارية والسلوكية، التي بلورها جيل بوب ديلان.
واضح، أن في تراكب كل هذه الأبعاد، بعضا من المعنى لتفسير وفهم قرار منح جائزة نوبل للآداب لفنان موسيقي مغن، من قيمة الفنان الأمريكي، المولود بشمال
الولايات
المتحدة
الأمريكية
، على الحدود مع
كندا
، بوب ديلان. ولعل الأكثر أهمية هنا، هو أن مناسبة هذه الجائزة، تدفع العالم إلى استعادة قيمة موسيقى «الكونتري» الرائدة الشعبية ليس فقط في
أمريكا
بل في العالم، والتي شكلت مدرسة قائمة الذات. وفيها أيضا استعادة لمعنى قصة جيل ثورة «ماي 1968»، التي تجربة ديلان وجيله، واحدة من تعابيرها الهائلة والكبيرة. جيل الرفض ضد توحش الرأسمال وضد نمطية مفهوم العائلة والمجتمع المعلب من أجل النظام والنجاح، وأيضا ضد السحق الروحي الذي تمارسه الآلة الصناعية ضد الإنسان. مثلما أنه جيل الرفض ضد حرب الفيتنام وضد العنصرية الظالمة ضد السود وأنه مع حق شعوب العالم في الحرية والديمقراطية، في مقدمتها حينها شعوب
أمريكا
اللاتينية وجنوب أروبا وإفريقيا وجنوب آسيا، الرازحة تحت أنظمة عسكرية ديكتاتورية.
لقد نحج ديلان وجيله، الذين مهم أن نذكر منهم أسماء رائدة مثل إيميليو هاريس وجون بيز ودولي بارتن وكيني روجرس (
بأمريكا
) وفريق البتلز خاصة بأقطابه الكبار بول ماكارتني وجون لينون (بإنجلترا). أقول، لقد نجح ذلك الجيل في أن يحول التعابير الموسيقية الشعبية، الصاعدة من حواري أحياء العمال بالمدن الغربية، كي تصبح لغة العالم الفنية. التي جعلت أصحاب المصالح من ساسة ورجال أعمال ومؤسسات عسكرية في موقف دفاع، لأنها كانت موضوع هجوم قيمي، من ذلك التوجه الموسيقي القوي والصاعد والمؤثر حينها. مثلما أنه كان توجها مناهظا، سلوكيا وقيميا، للنمط التدبيري التأطيري والتربوي الذي كان للكنيسة الكاثوليكية، بمختلف مدارسها وأذرعها، في تلك المجتمعات. لقد كانت توجها تحرريا في العمق، وكانت صوت القاعدة الإجتماعية ضد النخب الحاكمة سواء في السياسة أو في الاقتصاد أو في الدين. وعلينا هنا مغربيا، أن لا ننسى أن تجربة مجموعات ناس الغيوان وجيل جيلالة والمشاهب، إنما كانت عنواننا المغربي ضمن نفس التوجه الفني العالمي هذا. مما منحها أن تمنحنا مغربيا أفقا عالميا على المستوى الفني، قوته كامنة في أنه لم يكرر تجربة الغناء المشرقية ولا كرر أيضا تجربة الغناء الغربية، بل إنها خلقت صوتها الخاص، الذي رفعها للعالمية.
واضح، أن أهل جائزة نوبل، قد حققوا مع هذا التتويج هذه السنة لصوت غنائي من قيمة بوب ديلان، انعطافة قيمية غير مسبوقة لهذه الجائزة، لا يمكن للمرء إلا أن يصفق لها عاليا. لقد انتصرت أخيرا لصوت مختلف، ظل ينادي بالقيم الإنسانية عبر التعابير الفنية الشعبية. لكنها قوية الرسالة في معناها التربوي والسلوكي والقيمي والسياسي.. لأنه في مكان ما، سيظل بوب ديلان هو ذلك الصوت الذي ظل يصدح مناديا في واحدة من أجمل وأشهر أغانيه: «نفس في الريح / Blowin in The Wind»، التي تقول أبياتها الأولى:
«كم من طريق على الرجل أن يقطع كي يصبح رجلا؟
وكم من بحار على النوارس أن تقطع قبل أن تحط على الشط؟
وكم سيكفي المدافع من دوي، قبل أن تخرس للأبد؟
يكفيها يا صاحبي، هبة نفس في الريح (…)».
المصدر : الاتحاد الاشتراكي

